مناقشة في الروايات الذامة للعلماء
دارالهدایة| إنّ أحمد البصری وأتباعه يستندون إلى جملةٍ من الروایات فیما یخصّ علماء آخر الزمان، ویستدلّون بها على مذمّة العلماء، ویحذّرون الناس منهم تحذیراً شدیداً. و فی هذا المقال نشیر إلى بعض هذه الروایات.
مذمّة العلماء
بناءً على ذلك، فإنّ من تأثّر بهذا التیار، یفقد ثقته بالعلماء، ولا یُصغی إلى کلامهم. والهدف الأساس لأحمد البصری وأتباعه من ترسیخ هذه النظرة السلبیة تجاه العلماء، هو أن عامة الناس لیسوا من أهل البحث والتحقیق والدقة، ولابدّ لهم من الرجوع إلى أقوال العلماء والمتخصّصین. فمن یُعنى بکلام العلماء والفقهاء الأعلام، لا یمکن أن ینجذب إلى تیّار أحمد البصری، ولن یتّبعه بحال، لأنّ هؤلاء العلماء هم الذین یستخرجون المعارف الدینیة من الأحادیث والروایات ویقدّمونها إلى الناس. و أمّا إذا تمکّن أحد من زرع سوء الظنّ بالعلماء فی قلوب الناس، فإنّه یسهل علیه خداعهم وتمریر ما یشاء علیهم؛ لأنّه بهذه الطریقة ینزع من أیدیهم مصدر الفهم والتمییز، فتُصبح العامة عاجزة عن معرفة الحقّ من الباطل. و مع ذلک، فإنّ جماعة أحمد البصری تستخدم أسالیب المکر والتدلیس، وتستدلّ ببعض الروایات لتشویه صورة علماء الشیعة، مع أنّ هذه الروایات لا تنطبق على العلماء الذین أفنوا أعمارهم فی الدفاع عن مکتب أهل البیت علیهم السلام. و لکشف مكر هذه الحركة الباطلة وخداعه، سنقوم بدراسة نموذجین من هذه الروایات:
الرواية الأولى
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ وَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ يُسَمَّوْنَ بِهِ وَ هُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْهُ مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ وَ هِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى فُقَهَاءُ ذَلِكَ الزَّمَانِ شَرُّ فُقَهَاءَ تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ مِنْهُمْ خَرَجَتِ الْفِتْنَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَعُودُ. الکافي، ج:٨، ص٣٠٧.
النقطة الأولى
یقول النبیّ (صلّى الله علیه وآله): «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ». و كلمة «الناس» تشمل جمیع الناس من المسلمین، سواء كانوا من الشیعة أو من أهل السنّة، ولا تختصّ بالشیعة فحسب. نعم، قد تُستعمل هذه اللفظة في بعض الروایات ویُراد بها خصوص أهل السنّة، إلا أنّ المقصود بها هنا هو عموم المسلمین. و على هذا، فإنّ بعض فقهاء ذلك الزمان ـ سواء من الشیعة أو من السنّة ـ الذین وصفهم الحدیث بأنهم «شرّ الفقهاء تحت أدیم السماء»، لا یُراد بهم فقهاء الشیعة وحدهم، بل یشمل الوصف فقهاء السنّة أیضاً. ومن الواضح أنّ أهل السنّة یشكّلون الغالبیة من هؤلاء الفقهاء السوء، وأنّ كثیراً من الفتن فی آخر الزمان یصدر عنهم. و لا شكّ أنّ من أبرز مصادیق هذا الحدیث، العلماء الذین یتلاعبون بالدین فی آخر الزمان، ویفتون بغیر علم، ویُحاولون نسخ دین النبیّ (صلّى الله علیه وآله)، ویُفسّرون آیات القرآن برأیهم، ویدخلون البدع فی الدین، وینكرون الرجعة الحقیقیة لأهل البیت علیهم السلام، وغیر ذلك من الانحرافات.
النقطة الثانیة
هل المقصود حقّاً أنّه في ذلك الزمان لا یبقى من القرآن إلا رسمه وخطّه؟ أی هل في زماننا هذا لم یعد أحد یعمل بالقرآن؟ وهل خلت جمیع المساجد من الهدایة؟ أم أنّ هذه العبارات تُراد منها الإشارة إلى أنّه في آخر الزمان سیتبعُد عدد كبیر من الناس عن الدین؟ من الواضح أنّ النبیّ (صلّى الله علیه وآله) لم یُرد أن یقول إنّ جمیع الناس في آخر الزمان ینحرفون، أو أنّ كلّ المساجد تخلو من الهدایة، بل كان مراده الإخبار عن ارتداد أو انحراف جمعٍ كبیر من الناس عن الدین الحقّ. فإن كان الاحتمال الأوّل هو المراد حقّاً، لكان أتباع أحمد أنفسهم داخلین في جملة أولئك الناس المنحرفین! و من خلال هذا التأمّل البسیط في مطلع الحدیث، یتّضح لنا معنى قوله (صلّى الله علیه وآله): «فُقَهَاءُ ذَلِكَ الزَّمَانِ»؛ أی إنّ النبیّ لم یُرِد الحدیث عن جمیع فقهاء آخر الزمان، بل كان كلامه ناظراً إلى الفقهاء الفسدة الذین یظهرون فی تلك المرحلة، وهم الذین وصفهم بأنهم شرّ الفقهاء تحت أدیم السماء.
النقطة الثالثة
إنّ الروایات الكثیرة قد وردت فی مدح العلماء، سواء كانت عامة تشمل جمیع الأزمنة، أم خاصة بعلماء آخر الزمان. ولیس المقصود من ذلك أنّ جمیع علماء آخر الزمان ممدوحون، بل المراد أنّه فی آخر الزمان یوجد أیضاً علماء صالحون ممدوحون وزهّاد أتقیاء، ولیس كلّ العلماء فی تلك الفترة من أهل السوء والانحراف: قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ع لَوْ لَا مَنْ يَبْقَى بَعْدَ غَيْبَةِ قَائِمِنَا ع مِنَ الْعُلَمَاءِ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ وَ الدَّالِّينَ عَلَيْهِ وَ الذَّابِّينَ عَنْ دِينِهِ بِحُجَجِ اللَّهِ وَ الْمُنْقِذِينَ لِضُعَفَاءِ عِبَادِ اللَّهِ مِنْ شِبَاكِ إِبْلِيسَ وَ مَرَدَتِهِ وَ مِنْ فِخَاخِ النَّوَاصِبِ لَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا ارْتَدَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَ لَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ أَزِمَّةَ قُلُوبِ ضُعَفَاءِ الشِّيعَةِ كَمَا يُمْسِكُ صَاحِبُ السَّفِينَةِ سُكَّانَهَا أُولَئِكَ هُمُ الْأَفْضَلُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ. بحارالأنوار، ج۲، ص۶. فالرّوایة المتقدّمة في ذمّ العلماء لا تُشير إلى جمیع الفقهاء، بل هي في مقام بیان حال فقهاء السوء في آخر الزمان، وأنّهم هم الذین يكونون شرّ الفقهاء تحت أدیم السماء.
النقطة الرابعة
في ختام الروایة، قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): «مِنْهُمْ خَرَجَتِ الْفِتْنَةُ وَإِلَيْهِمْ تَعُودُ». و هذه العبارة تشكّل شاهداً وقرینة واضحة على أنّ المقصود بالفقهاء في الروایة هم فقهاء السوء في آخر الزمان، لأنّهم هم الذین تصدر عنهم الفتن وتعود إلیهم. أي إنّهم أولئك الذین یتلاعبون بالدین، ویفتون بغیر علم، ویسعون لنسخ دین النبیّ (صلّى الله علیه وآله)، ویُفسّرون آیات القرآن برأیهم، ویدخلون البدع فی الدین، ویُضلّون الناس عن طریق الحقّ.
الرواية الثانية
عن الباقر (علیه السلام): …ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفا من البترية شاكين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرحوا جباههم وسمروا ساماتهم وعمهم النفاق، وكلهم يقولون يابن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الاثنين من العصر إلى العشاء فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل… دلائل الامامة، ص ۲۴۱.
النقطة الأولى
إنّ هذا الحدیث قد نُشر في الموقع الرسمي الفارسي لأتباع أحمد البصري بالترجمة المتقدّمة.
النقطة الثانیة
و قد وقع في ترجمة هذا الحدیث تحریف وخیانة كبیرة، یجهلها الكثیر من أتباع هذا التیار؛ وهذه الخیانة تمثّلت في تغییر معنى كلمة «البترية»، إذ فسّروها بقولهم: «هم الذین یعتقدون أنّ الإمام المهدی علیه السلام لیس له ولد»، وهذا معنى باطل لا أصل له.
النقطة الثالثة
و أمّا أولئك الستة عشر ألفاً الذین یُقتلون على ید الإمام (علیه السلام) من «البترية»، فهم ـ بحسب الروایات ـ الذین عاشوا في زمن الإمام الباقر (صلوات الله علیه)، وخلطوا بین محبّة أهل البیت (علیهم السلام) ومحبّة أعدائهم، فكانوا یُظهرون الولاء لأهل البیت ظاهراً، لكنّهم یُوالون خصومهم باطناً. وهذه الفرقة ستبقى موجودة إلى زمان ظهور الإمام المهدی (علیه السلام)، فیقوم (علیه السلام) بمواجهتهم.
وبناءً على تصریح الروایة، فإنّ هؤلاء الستة عشر ألف فقیه لیسوا من الشیعة، بل هم من فرقة البترية؛ ولكن ـ للأسف ـ یقوم أتباع أحمد البصري بإیراد هذه الروایة في ذمّ علماء الشیعة في آخر الزمان، ویُحذّرون أتباعهم منهم شدید التحذیر.