وقفة عند الحديث الرابع عشر من كتاب الأربعون لناظم العقيلي
دار الهداية| ناظم العقيلي البوق الأعظم لدعوى أحمد الحسن ألّف كتابًا أسماه بالأربعون في المهديين وأبناء القائم ليثبت فيه وجود الأبناء للإمام المهدي (عج الله تعالى فرجه) وقد زعم أنّه جمع في الكتاب المذكور أربعين حديثًا عن وجود أئمة اثني عشر بعد المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
دعوى ناظم العقيلي حول المهديين
١. الإمامة ليست محصورة في الاثني عشر. ٢. للمهديين الّذين يخلفون المهدي (عجل الله تعالى فرجه) مقام الإمامة والوصاية. ٣. المهديين هم عترة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) وأبناؤه.
الحديث الرابع عشر من كتاب الأربعين في المهديين
من الأحاديث الّتي حاول ناظم العقيلي منها استظهار ثالوث عقيدته الزائفة هو هذا الحديث: العلامة المجلسي ـ فی دعاء طویل ـ قال: منْ أَصْلٍ قَدِيمٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ قُدَمَائِنَا… اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ فِي خَلْقِكَ وَلِيّاً وَ حَافِظاً وَ قَائِداً وَ نَاصِراً حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَ تُمَتِّعَهُ مِنْهَا طَوْلًا و تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ فِيهَا الْأَئِمَّةَ الْوَارِثِين.
بحار الأنوار، ج:۸۶، ص:٣٣٣ ــ ٣۴٠
تعقيب العقيلي على الحديث
بعد ما روى العقيلي هذا الحديث واصل قائلًا: «و هذا الدعاء مشابه للذی سبقه، فی النص علی وراثة المهدیین من ذریة الامام المهدی(ع) و کونهم ائمه و خلفاء لله فی الارض».
البيان الأول
إنّ أتباع أحمد الحسن يحاولون بالتمسك بهذا الدعاء إثبات الذريّة للإمام المهدي (عجل الله فرجه) في العصر الحاضر بينما تكون حقيقة الأمر شيء آخر وغاية ما يفهم من هذا الدعاء هو وجود ذرية للإمام المهدي (عجل الله فرجه) في فترة حياته ولكن هل ولد له أولاد في الحال الحاضر أم سيولد له فذلك غير معلوم.
البيان الثاني
إنّ العلامة المجلسي (رضوان الله عليه) يرفض نسبة هذا الدعاء إلى المعصومين (عليهم السلام) ويقول: «مِنْ أَصْلٍ قَدِيمٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ قُدَمَائِنَا» لكن ناظم العقيلي ذكر هذا الدهاء تحت عنوان الحديث الرابع عشر واستدل به ليوهم للمخاطب أنّ هذه العبارة صادرة من المعصوم. هذا مضافًا إلى أنّ العلامة المجلسي لم يذكر اسمًا لصاحب هذا الأصل.
البيان الثالث
قد يزعم بعض أتباع أحمد البصري أنّ العلّامة المجلسي (رحمه الله) حين سمّى كتابه «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار»، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ جميع ما ورد في هذا الكتاب هو من كلمات المعصومين (عليهم السلام).
والجواب: إنّ هذا الادّعاء لا يثبت من مجرّد تسمية العلّامة المجلسي لكتابه بهذا الاسم؛ إذ يكفي أن يكون أكثر محتوى الكتاب من أحاديث المعصومين (عليهم السلام) ليصحّ إطلاق هذا العنوان عليه. بل قد يقع أحيانًا أن يُستقى اسم الكتاب أو السورة من بعض أجزائه أو من حادثة جزئية فيه، كما هو الحال في سورة البقرة، حيث إنّها أطول سور القرآن الكريم، وقد سمّيت بهذا الاسم لورود قصّة بقرة بني إسرائيل في بعض آياتها. وعند مراجعة كتاب بحار الأنوار يتّضح بطلان دعوى أتباع أحمد البصري؛ إذ نجد فيه كثيرًا من الروايات التاريخية والحكايات والأقوال التي لا ترجع إلى المعصومين (عليهم السلام).
البيان الرابع
من رام إثبات هذا الدعاء إلى المعصومين (عليهم السلام) فهو أمام خيارين
الأول: أن يحمل كلمة الأئمة في عبارة: «وَ تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ» على معناها الاصطلاحي فيكون المعنى حينئذ هو الأئمة المفترضي الطاعة وهم خلفاء الله على أرضه ومعصومون ويحملون العلم الإلهيّ..
فيعني نطلب نحن في هذا الدعاء من الله أن يجعل ذرية الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هم الأئمة وأن يورثم الأرض وإذا أقرينا بهذا المعنى المذكور لتعارض ذلك مع كثير من الأحاديث الكثيرة الّتي تثبت أنّ بعد النبي (صلى الله عليه وآله) اثنا عشر خليفة ولا بدّ أن نركن إلى قواعد باب التعارض.
رَوَى اَلْعَلاَّمَةُ قُدِّسَتْ نَفْسُهُ مَرْفُوعاً إِلَى زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: سَأَلْتُ اَلْبَاقِرَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَأْتِي عَنْكُمُ اَلْخَبَرَانِ أَوِ اَلْحَدِيثَانِ اَلْمُتَعَارِضَانِ فَبِأَيِّهِمَا آخُذُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا زُرَارَةُ خُذْ بِمَا اِشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَ دَعِ اَلشَّاذَّ اَلنَّادِرَ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي إِنَّهُمَا مَعاً مَشْهُورَانِ مَرْوِيَّانِ مَأْثُورَانِ عَنْكُمْ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ خُذْ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا عِنْدَكَ وَ أَوْثَقِهِمَا فِي نَفْسِكَ…
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار علیهم السلام، ج:۲، ص:۲۴۵
الثاني: أن يحمل کلمة «الْأَئِمَّةِ» في عبارة «وَ تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ» على المعنى اللغوي _ أي الأئمة _ وفي ذلك الحين يكون الدعاء من الله أن يختار أبناء المهدي من ضمن الأئمة والورثة في الأرض لأنّ معناها اللغوي كما ورد في لسان العرب: الإِمامُ: كلُّ من ائتَمَّ به قومٌ كانوا على الصِّراطِ المستقيمِ أَو كانوا ضالِّين… الإِمامُ الّذِي يُقْتَدى بِه. وبناءً على هذا المعنى اللغوي، فإنّ إطلاق كلمة «إمام» على مَن يتقدّم في الصلاة، أو على القادة العسكريّين، أو الحكّام، أو المديرين في شؤون الدولة، صحيحٌ؛ لأنّهم ممّن يُقتدى بهم. وعلى هذا الأساس، لا يبقى أيّ تعارض بين الدعاء المذكور وبين الروايات الواردة في عدد الأئمّة والأوصياء بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله)، إذ إنّ المراد من «الإمام» في تلك الروايات هو المعنى الاصطلاحي الخاص.
واللافت أنّ أحمد إسماعيل الهَمبوشي نفسه يفسّر لفظ «الأئمّة» بالمعنى اللغوي ـ أي القادة والمتقدّمون ـ، وبذلك يَبطل استدلال ناظم العقيلي بالعبارة: «تَجْعَلَهُ وَذُرِّيَّتَهُ فِيهَا الْأَئِمَّةَ الْوَارِثِين» لإثبات مقام الإمامة ـ بالمعنى الاصطلاحي ـ لأبناء الإمام المهدي (عجل الله فرجه).
فإذا قبلنا هذه العبارة، فإنّها تشير في حقيقتها إلى الآية المباركة: ﴿وَنُريدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ استُضعِفوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوارِثين﴾.
ادّعاء أحمد البصري حول المهديّين
إنّ أحمد إسماعيل البصري بعد أن ذكر الآية الكريمة، قال: «وَهؤلاء الذين يريد الله أن يجعلهم أئمّة هم آل محمّد (ععليهم السلام) الأئمّة والمهديّون، وكذلك الثلاثمائة والثلاثة عشر أصحاب الإمام المهدي (عجل الله فرجه)…»
(بيان الحق والسداد، ج 1، ص 13)
ومن جانب آخر، فإنّ الروايات لم تذكر أبدًا مقام الإمامة ـ بالمعنى الاصطلاحي ـ للثلاثمائة والثلاثة عشر من أصحاب الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، كما أنّ أحمد إسماعيل نفسه لم يثبت لهم مثل هذا المقام في كتبه. ومن هنا يُفهم أنّه إنّما فسّر كلمة «الأئمّة» في الآية بالمعنى اللغوي، أي القادة والمتقدّمون، فعدّ 313 من أنصار الإمام المهدي (عجل الله فرجه) من مصاديقها. وعلى هذا الأساس، يكون المراد من كلمة «الأئمّة» في الدعاء المذكور هو نفس المعنى اللغوي، أي: أن نسأل الله أن يجعل ذرية الإمام المهدي (عجل الله فرجه) من القادة والحكّام والمدبّرين في الأرض.
غير أنّه لو أصرّ أتباع أحمد البصري على أنّ المراد من كلمة «الأئمّة» في الآية هو المعنى الاصطلاحي الخاص، للزمهم القول بإمامة الثلاثمائة والثلاثة عشر أيضًا، وبذلك يصبح عدد الأئمّة في مذهبهم ٣٣٧: ٣٣٧ = ١٢ إمامًا + ١٢ مهديًّا + ٣١٣ صاحبًا. وهذا ما لم يرد في أيّ رواية معتبرة، إذ لم يُنسب مقام الإمامة ـ بالمعنى الاصطلاحي ـ إلى أصحاب الإمام المهدي (عجل الله فرجه). ومن ثَمّ، فإنّ دعوى أتباع أحمد البصري في هذا الباب مجرّد افتراء لا مستند له، ومن الأولى بهم أن يكفّوا عن التخبّط في إثبات إمامة المهدويّين، قبل أن يفتحوا على أنفسهم باب القول بإمامة آخرين.