وقفة عند الحديث الخامس من كتاب الأربعون لناظم العقيلي
دار الهدایة| قام ناظم العقیلي، و هو أحد الممثلين الرسميّين للمدّعي اليَمَاني، بتأليف كتابٍ بعنوان: «أربعون حديثًا عن المهديين وذرية القائم (ع)»، في محاولةٍ منه لإثبات العقيدة التي يتبنّاها تيارُه، و التي تتمثّل في وجود اثني عشر إمامًا من أولاد الإمام المهدي (عج). و يدّعي في هذا الكتاب أنّه استند إلى أربعين حديثًا – بزعمِه – لإثبات هذا المطلب، و نحن في هذا المقال نسعى إلى نقد الحديث الخامس من هذا الكتاب. مدّعيًا ما يلي:
ادّعاءات ناظم بشأن المهديين
1. إنّ الإمامة لا تنحصر في الأئمّة الاثني عشر فقط.
2. إنّ المهديين، بعد الإمام المهدي (عج)، يتولّون مقام الوصاية و الإمامة.
3. إنّ المهديين هم من العترة، أي من ذرية الإمام المهدي (عج) أنفسهم.
الحديث الخامس من كتاب « أربعون حديثًا عن المهديين »
و من جملة الأحاديث التي استند إليها ناظم العقیلي في كتابه «أربعون حديثًا عن المهديين وذرية القائم (ع)» لإثبات مدّعياته الثلاثة، الحديثُ التالي، الذي أورده بوصفه
الحديث الخامس: عنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ: خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) إِلَى الْحِيرَةِ فَقَالَ لَتَصِلَنَّ هَذِهِ بِهَذِهِ وَ أَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى الْكُوفَةِ وَ الْحِيرَةِ حَتَّى يُبَاعَ الذِّرَاعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا بِدَنَانِيرَ وَ
لَيُبْنَيَنَّ بِالْحِيرَةِ مَسْجِدٌ لَهُ خَمْسُمِائَةِ بَابٍ يصَلِّي فِيهِ خَلِيفَةُ الْقَائِمِ عَجَّلَ الله تَعَالَى فَرَجَهُ لِأَنَّ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ لَيَضِيقُ عَنْهُمْ و لَيُصَلِّيَنَّ فِيهِ اثنا عشر اماما عدلا قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
وَ يَسَعُ مَسْجِدُ الْكُوفَةِ هَذَا الَّذِي تَصِفُ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ قَالَ تُبْنَى لَهُ أَرْبَعُ مَسَاجِدَ مَسْجِدُ الْكُوفَةِ أَصْغَرُهَا وَ هَذَا وَمَسْجِدَانِ فِي طَرَفَيِ الْكُوفَةِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ وَ هَذَا الْجَانِبِ
وَ أَوْمَى بِيَدِهِ نَحْوَ الْبَصْرِيِّينَ وَ الْغَرِيَّيْنِ.
تهذيب الأحكام، ج٣، ص ٢٥٤.
النقد والتحليل حدیث المهديين
عند التأمّل في هذا الحديث، يتّضح لنا أنّه يتعلّق بصلاة الجماعة، و أنّ المقصود بـ«الإمام» فيه، هو إمام الجماعة، أي الذي يتقدّم الناس في الصلاة و يُقتدى به. و هذا
الاستعمال للّفظ ليس حكرًا على اللغة الفارسيّة أو الاستخدام العُرفيّ بين الناس، بل هو مستعمل في الروايات كذلك. فلو رجعنا إلى الأبواب الخاصّة بصلاة الجماعة في
كتب الحديث، و خصوصًا في كتب مثل الكافي الشريف، لوجدنا عشرات الروايات التي يُطلق فيها لفظ «الإمام» على من يُقتدى به في الصلاة، و هذا الأمر يجعل المقصود
من «الأئمة الاثني عشر العُدل» في الحديث المذكور، هم اثنا عشر إمامًا في الجماعة، و ليس أئمّة في مقام الإمامة العامّة أو الوصاية الإلهية.
بعض الروايات الواردة
۱. عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَا يَرْوِي اَلنَّاسُ أَنَّ اَلصَّلاَةَ فِي جَمَاعَةٍ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ اَلرَّجُلِ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَ عِشْرِينَ صَلاَةً فَقَالَ صَدَقُوا فَقُلْتُ اَلرَّجُلاَنِ
يَكُونَانِ جَمَاعَةً فَقَالَ نَعَمْ وَ يَقُومُ اَلرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ اَلْإِمَامِ. الكافي، ج ٣، ص ٣٧١.
۲. عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ اَلْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ ذَاتَ
يَوْمٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي رَجُلٌ جَارُ مَسْجِدٍ لِقَوْمِي فَإِذَا أَنَا لَمْ أُصَلِّ مَعَهُمْ وَقَعُوا فِيَّ وَ قَالُوا هُوَ هَكَذَا وَ هَكَذَا فَقَالَ أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ لَقَدْ قَالَ
أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ صلواتاللهعلیه مَنْ سَمِعَ اَلنِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْهُ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ فَخَرَجَ اَلرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ لاَ تَدَعِ اَلصَّلاَةَ مَعَهُمْ وَ خَلْفَ كُلِّ إِمَامٍ. الكافي، ج ۳، ص ۳۷۳.
روايات الإمام العَدل
و أمّا بخصوص اصطلاح «الإمام العَدل» الوارد في بعض الروايات – كما في الروايتين اللتين سنذكرهما لاحقًا – فإنّ المقصود به هو إمام الجماعة المؤمن، الشيعي،
العادل، الذي تتوفّر فيه شروط إمامة الجماعة المعروفة في الفقه:
۱. عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَا تَقُولُ فِي اَلاِعْتِكَافِ بِبَغْدَادَ فِي بَعْضِ مَسَاجِدِهَا
فَقَالَ لاَ اِعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ قَدْ صَلَّى فِيهِ إِمَامٌ عَدْلٌ بِصَلاَةِ جَمَاعَةٍ وَ لاَ بَأْسَ أَنْ يُعْتَكَفَ فِي مَسْجِدِ اَلْكُوفَةِ وَ اَلْبَصْرَةِ وَ مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ وَ مَسْجِدِ مَكَّةَ. الكافي، ج٤، ص ١٧٦.
۲. مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يُصَلِّي فَخَرَجَ اَلْإِمَامُ وَ قَدْ صَلَّى اَلرَّجُلُ رَكْعَةً مِنْ صَلاَةٍ فَرِيضَةٍ فَقَالَ إِنْ
كَانَ إِمَاماً عَدْلاً فَلْيُصَلِّ أُخْرَى وَ يَنْصَرِفُ وَ يَجْعَلُهُمَا تَطَوُّعاً وَ لْيَدْخُلْ مَعَ اَلْإِمَامِ فِي صَلاَتِهِ كَمَا هُوَ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ عَدْلٌ فَلْيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ كَمَا هُوَ… فَإِنَّ اَلتَّقِيَّةَ وَاسِعَةٌ وَ
لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ اَلتَّقِيَّةِ إِلاَّ وَ صَاحِبُهَا مَأْجُورٌ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ الله. الكافي، ج ٣، ص ٣٨٠.
نقطةٌ مهمّة
و أمّا النقطةُ الأخرى: فإنّ سؤالَ الراوي: «أفيسعُ مسجدُ الكوفةِ هذا الذي تصفُهُ الناسَ يومئذٍ؟» و إجابةَ الإمام عليه السلام بقوله: «تُبنى له أربعةُ مساجد، و مسجدُ الكوفةِ
أصغرُها…» تدلّ على أنّ هؤلاء الأئمةَ العَدولَ الاثني عشر يُصلّون في زمنٍ واحد، أي: تُقامُ اثنتا عشرةَ صلاةَ جماعةٍ مستقلّة، بإمامةِ أئمةٍ عُدول، في مسجدِ الكوفة. وأمّا ما
ورد في الروايةِ من ذِكر «خليفة القائم عجّل الله تعالى فرجَه»، فإنّ المقصودَ من «الخليفة» في أمثالِ هذه الرواياتِ ليس هو الإمامَ الذي يلي الإمامَ المهديّ عليه السلام،
ولا هو وصيُّهُ في الإمامة، بل هو من يُعيّنهُ الإمامُ لنيابتِهِ وإقامةِ الصلاةِ مكانَه، أي إنّه ممثّلٌ للإمام ومنصوبٌ من قِبَلِه، كالنموذج الوارد في الرواية الآتية:
أَقُولُ رُوِيَ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِ أَصْحَابِنَا عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله اَلْحَسَنِيِّ عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ اَلْفُرَاتِ
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْمُفَضَّلِ عَنِ اَلْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ سَيِّدِيَ اَلصَّادِقَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ… قَالَ اَلْمُفَضَّلُ فَمَا يَصْنَعُ بِأَهْلِ مَكَّةَ قَالَ يَدْعُوهُمْ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ فَيُطِيعُونَهُ
وَ يَسْتَخْلِفُ فِيهِمْ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ يَخْرُجُ يُرِيدُ اَلْمَدِينَةَ… قَالَ اَلْمُفَضَّلُ يَا سَيِّدِي يُقِيمُ بِمَكَّةَ قَالَ لاَ يَا مُفَضَّلُ بَلْ يَسْتَخْلِفُ مِنْهَا رَجُلاً مِنْ أَهْلِهِ فَإِذَا سَارَ مِنْهَا وَثَبُوا عَلَيْهِ
فَيَقْتُلُونَهُ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَيَأْتُونَهُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ يَبْكُونَ وَ يَتَضَرَّعُونَ وَ يَقُولُونَ يَا مَهْدِيَّ آلِ مُحَمَّدٍ اَلتَّوْبَةَ اَلتَّوْبَةَ فَيَعِظُهُمْ وَ يُنْذِرُهُمْ وَ يَحْذَرُهُمْ وَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ
خَلِيفَةً وَ يَسِيرُ فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَيَقْتُلُونَهُ. بحار الأنوار، ج ٥٣، ص ١.
تفسير الحديث
إنّ الإمامَ المهديّ صلواتُ الله عليه، يعيّنُ في بداية أمرِه خليفةً له من أهل بيتِه في مكّة، و لكنّ أهلَ مكّة يقتلونه، فيرجعُ الإمامُ المهديّ عليه السلام، ثمّ يتوبُ أهلُ مكّة،
فيُرسل الإمامُ مرّةً أُخرى خليفًة له من أهلِ بيتِه، فيقتلونه أيضًا… فمن الواضحِ إذًا أنّ المرادَ من «الخليفة» في هذه الروايات ليس الإمامَ الذي يلي الإمامَ المهديّ عليه
السلام، و لا هو وصيُّه في الإمامة، و إنّما هو نائبه و ممثّلُه و خليفتُه في مكّة، أي شخصٌ مُفَوَّض من قِبَل الإمام لإدارة شؤونٍ محدّدة في غيابه، و يُستشهَدُ قبل أن تُطرحَ
عليه فكرةُ الخلافةِ بمعنى الإمامةِ بعد الإمام عليه السلام. و المُلفتُ في الأمرِ أنّ أتباعَ أحمد بصريّ يستندون إلى هذا الحديثِ بالذات ليثبتوا ما يُسمّونه بإمامة المهديّين!
و لكنّ الحديثَ نفسَه يصرّحُ بأنّ الخليفةَ من أهل بيتِ الإمام يُقتل! فكيف يُتصوّر أن يكون وصيًّا بعده و هو لم يَبقَ حيًّا أصلًا؟! بل يدلّ الحديثُ على أنّه كان ممثّلًا
عن الإمامِ المهديّ عليه السلام في مكّة.
نقطةٌ مهمّة
و كذلك الحال في الرواية المشار إليها، حيث إنّ إمام الجماعة في مسجد الحيرة هو خليفةُ الإمام في ذلك المسجد. و ممّا ينبغي الالتفاتُ إليه أيضًا،
أنّ هذه الفرقة والجماعة يريدون أن يستدلّوا بهذا الحديث ليقولوا إنّ هؤلاء الأئمّة الاثني عشر العُدول هم نفسُهم المهديّون الاثنا عشر، و بالتالي فإنّ
«خليفة القائم عجّل الله فرجه» في هذا الحديث غير هؤلاء الأئمّة الاثني عشر العُدول، فيصبح المهديّون ثلاثةَ عشر شخصًا!
و من الواضحِ أنّه إذا ورد في حديثٍ أنّ «خليفة الإمام المهديّ» في عملٍ ما، فإنّ المقصودَ ليس الإمامَ الذي يلي الإمام المهدي عليه السلام، بل هو نائبه و ممثّلُه و خليفتُه في
ذلك العمل الخاصّ، إذ إنّ الإمامَ المهديَّ عليه السلام حاكمٌ، و يُرسل إلى أطراف البلاد مُمثّلين و وُلاةً، و يُطلق عليهم اسم «الخليفة»، أي نائب الإمام في تلك المنطقة، و ممثّل الإمام
فيها، كما كان رسولُ الله صلّى الله عليه وآله يعيّن خُلفاء له في المدينة عند خروجه منها، مثلًا حينما كان يخرج إلى الحروب، و كان أميرُ المؤمنين عليه السلام يرافقه.
و من الواضحِ أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله، عندما كان يخرج إلى الحرب، كان يُعيّن له في المدينة خليفةً و نائبا، وهذا لا يعني أبدًا أنّ ذلك الشخص هو وصيُّ رسولِ الله.
و جميع المسلمين متّفقون على أنّ ابن أمّ مكتوم كان خليفةَ رسولِ الله في المدينة في نحو ثلاث عشرة مرّة، (لأنّه كان ضريرًا و لم يكن قادرًا على المشاركة في الحرب)، و كان
من أهمّ أدوارِه في المدينة إقامةُ الصلاة جماعةً. إلّا أنْ يكون هناك نصّ خاصّ يدلّ على الخلافةِ و الوصاية التامّة و المُطلقة، كما هو الحالُ في النصوص القطعيّة الكثيرة التي
وردت في شأن أمير المؤمنين عليه السلام و سائر الأئمّة الطاهرين عليهم السلام، مثل: «يا علي، أنت خليفتي في كلّ مؤمنٍ من بعدي»، أو: «خلفائي اثنا عشر»، و …
النتيجة
و خلاصة القول: إنّ هذا الحديث يدلّ بوضوح على وجود و إمامة هؤلاء الأئمّة الاثني عشر لإمامة الجماعة في هذه المساجد، في زمن حضور الإمام المهديّ عليه السلام
نفسه، وذلك بسبب كثرة الناس و بناء مساجد جديدة، فيصلّون فيها جماعةً بإمامتهم. فهذا الحديث يُخالف بوضوح دعوى أحمد البصري، الذي يزعم أنّ المهديّين
يكونون بعد الإمام المهدي عليه السلام، و من نسله وذريّته، و يتولّون الحكم واحدًا بعد الآخر.