وقفة عند الحديث الثاني من كتاب الأربعون لناظم العقيلي
دار الهداية| ناظم العقیلی، وهو أحد الممثلين الرسميين للمدعي اليماني، ألّف كتابًا بعنوان «أربعون حديثًا حول المهديين و أبناء القائم (ع)» لإثبات عقيدة تياره بشأن وجود اثني عشر إمامًا من ذرية الإمام المهدي (عج). في هذا الكتاب، استند -بحسب زعمه- إلى أربعين حديثًا لإثبات وجود اثني عشر إمامًا بعد الإمام المهدي (عج)، و يدّعي ذلك:
ادعاء ناظم حول المهديين
١. الإمامة لا تقتصر على الأئمة الاثني عشر.
٢. المهديون بعد الإمام المهدي (عج) يتولّون مقام الوصاية والإمامة.
٣. المهديون هم من العترة وأبناء الإمام المهدي (عج).
الحديث الثاني من كتاب المهديين
الآن نمرّ على الحديث الثاني من الكتاب ونتناول علاقته بالادعاءات الثلاثة المذكورة أعلاه:
عن أحمد بن محمد الأيادي يرفعه إلى علي بن عقبة عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام):
«إنّ منا بعد القائم اثني عشر مهدياً من ولد الحسين (عليه السلام)».
قال الإمام الصادق (عليه السلام):
“إنّ منّا بعد القائم اثني عشر مهدياً من ذرية الحسين (عليه السلام)”.
منتخب الأنوار المضيئة في ذكر القائم الحجة، ص: ٢٠١
مناقشة الادعاء
يحاول ناظم العقيلي من خلال ذكر هذا الحديث الإيهام بأن المهديين هم أبناء الإمام المهدي (عج)، الذين يتولّون مقام الوصاية بعده. ثم يشير إلى فقرة من دعاء اليوم الثالث ــ يوم ولادة الإمام الحسين (عليه السلام) ــ: “… الْمُعَوَّضِ مِنْ قَتْلِهِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ نَسْلِهِ وَالشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِهِ وَالْفَوْزَ مَعَهُ فِي أَوْبَتِهِ وَالْأَوْصِيَاءَ مِنْ عِتْرَتِهِ بَعْدَ قَائِمِهِمْ وَغَيْبَتِه“.
الترجمة: “…عوضًا عن قتله [أنعم الله عليه] بأن الأئمة من نسله، والشفاء في تربته، والفوز معه عند رجعته، والأوصياء من عترته بعد قائمهم وغيبته.”
يُحاول ناظم العقيلي عبر أسلوب الإيحاء النفسي أن يُوهم السامعين بأن المقصود من العبارة (و الأوصياء من عترته بعد قائمهم و غيبته) هم المهديون من أبناء الإمام المهدي (عج).
النقد والدراسة حول حديث المهديين
دراسة السند
سند هذه الرواية مرفوع (والمرفوع هو كل رواية سقط من وسط سندها أو آخره راوٍ أو أكثر، مع التصريح بلفظ الرفع)، و قد سُجِّلت لأول مرة في القرن الثامن الهجري. و بمناسبة كون الرواية مرفوعة، نُقدّم للأعزاء بعض النقاط:
النقطة الأولى
عدم دلالة الرواية على إمامة و وَصاية المهديين. فبالتأمل الدقيق في هذا الحديث، لا يُفهم منه إلا وجود مهديين من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام) بعد الإمام المهدي (عج)، أما أن يكون هؤلاء المهديون من أبناء الإمام المهدي (عج) أنفسهم، وأنهم يتولون مقام الإمامة و الوصاية بعده، و تستمر سلسلة الإمامة من خلالهم، فهذا لا يُثبت بهذه الرواية. نعم، أتباع أحمد البصري لديهم العديد من الادعاءات، و لكنهم في مقام الاستدلال عاجزون عن تقديم نصوص معتبرة ترتبط بادعاءاتهم. (عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنّ منّا بعد القائم اثني عشر مهديًا من ولد الحسين (عليه السلام)»).
النقطة الثانية
عدم دلالة دعاء «اليوم الثالث» على إمامة ووَصاية المهديين. يستند ناظم العقيلي لاحقًا إلى فقرة من دعاء اليوم الثالث و يُعرّف عبارة (وَالْأَوْصِيَاءَ مِنْ عِتْرَتِهِ بَعْدَ قَائِمِهِمْ وَغَيْبَتِه) بأنها إشارة إلى المهديين من أبناء الإمام المهدي (عج). غير أن الذي يُفهم من هذه الفقرة هو وجود أوصياء من عترة الإمام الحسين (عليه السلام) بعد غيبة الإمام المهدي (عج)، و لا يوجد أي كلام في الدعاء يدل على أن هؤلاء الأوصياء هم المهديون من أبناء الإمام المهدي (عج). فوجود أوصياء بعد الإمام المهدي (عج) أمر ثابت و مقطوع به، و لكن هؤلاء الأوصياء هم الأئمة الاثنا عشر السابقون الذين سيرجعون، و ليس أوصياء جددًا يُسمَّون بالمهديين من أبناء الإمام المهدي (عج).
النقطة الثالثة
تقطيع دعاء «اليوم الثالث» وخيانة ناظم العقيلي في نقل الأخبار. فضلًا عن أن هذه الفقرة من الدعاء لا علاقة لها بالمهديين من أبناء الإمام المهدي (عج)، فقد ارتكب ناظم العقيلي خيانة لا تُغتفر، وهي تقطيع الدعاء و حذف بعض أجزائه. نعم، لو كان قد أورد الدعاء كاملًا، لما استطاع خداع العوام، لذلك لجأ إلى هذه الخيانة العظيمة ليُروج لفرقة أحمد البصري الباطلة. و للأسف، من خلال تقطيع دعاء اليوم الثالث، أوهم ناظم العقيلي المخاطبين بأن الأوصياء بعد غيبة الإمام المهدي (عج) هم المهديون من أبناءه، و أنّه بناءً على ذلك يصبح عدد أوصياء النبي (صلى الله عليه و آله) أربعة و عشرين وصيًا، و لكن بالرجوع إلى النص الكامل للدعاء – الذي سنذكره لاحقًا – يتبين بطلان هذه الخدعة، حيث يصرح هذا الدعاء الشريف بأن عدد أوصياء النبي (صلى الله عليه وآله) هو اثنا عشر فقط، وليس أربعة وعشرين.
دعاء اليوم الثالث
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ الْمَوْلُودِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ اسْتِهْلَالِهِ وَ وِلَادَتِهِ بَكَتْهُ السَّمَاءُ وَ مَنْ فِيهَا وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ لَمَّا يَطَأْ لَابَتَيْهَا قَتِيلِ الْعَبْرَةِ وَ سَيِّدِ الْأُسْرَةِ الْمَمْدُودِ بِالنُّصْرَةِ يَوْمَ الْكَرَّةِ «الْمُعَوَّضِ مِنْ قَتْلِهِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ نَسْلِهِ وَ الشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِهِ وَ الْفَوْزَ مَعَهُ فِي أَوْبَتِهِ وَ الْأَوْصِيَاءَ مِنْ عِتْرَتِهِ بَعْدَ قَائِمِهِمْ وَ غَيْبَتِهِ» حَتَّى يُدْرِكُوا الْأَوْتَارَ وَ يَثْأَرُوا الثَّأْرَ وَ يُرْضُوا الْجَبَّارَ وَ يَكُونُوا خَيْرَ أَنْصَارٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ اللَّهُمَّ فَبِحَقِّهِمْ إِلَيْكَ أَتَوَسَّلُ وَ أَسْأَلُ سُؤَالَ مُقْتَرِفٍ وَ مُعْتَرِفٍ مُسِيءٍ إِلَى نَفْسِهِ مِمَّا فَرَّطَ فِي يَوْمِهِ وَ أَمْسِهِ يَسْأَلُكَ الْعِصْمَةَ إِلَى مَحَلِّ رَمْسِهِ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى محمّدٍ وَ عِتْرَتِهِ» وَ احْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ وَ بَوِّئْنَا مَعَهُ دَارَ الْكَرَامَةِ وَ مَحَلَّ الْإِقَامَةِ اللَّهُمَّ وَ كَمَا أَكْرَمْتَنَا بِمَعْرِفَتِهِ فَأَكْرِمْنَا بِزُلْفَتِهِ وَ ارْزُقْنَا مُرَافَقَتَهُ وَ سَابِقَتَهُ «و اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُسَلِّمُ لِأَمْرِهِ وَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَ عَلَى جَمِيعِ أَوْصِيَائِهِ وَ أَهْلِ أَصْفِيَائِهِ الْمَمْدُودِينَ مِنْكَ بِالْعَدَدِ الِاثْنَيْ عَشَرَ».
رجعة الأئمة (عليهم السلام) بعد الإمام المهدي (عج)
وردت في العديد من الروايات مسألة رجعة الأئمة (عليهم السلام) بعد الإمام المهدي (عج)، ونشير فيما يلي إلى بعضٍ منها:
عنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) سُئِلَ عَنِ الرَّجْعَةِ، أَ حَقٌّ هِيَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ؟ قَالَ الْحُسَيْنُ يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِ الْقَائِمِ (عج).
بحار الأنوار. ج٥٣، ص١٠٣
عن أَبی عَبْدِ اللَّهِ (ع) . . . أَوَّلُ مَنْ يَنْفُضُ عَنْ رَأْسِهِ التُّرَابَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فِي خَمْسَةٍ وَ سَبْعِينَ أَلْفاً وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا). بحار الانوار، ج٥٣، ص١٠٦.
وما نقرأه في الأدعية المأثورة عن الأئمة (عليهم السلام): مُقِرٌّ بِرَجْعَتِكُمْ لَا أُنْكِرُ لِلَّهِ قُدْرَة …
بحار الانوار، ج٥٣، ص٩٧.
وَ أَنَ رَجْعَتَكُمْ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهَا …
بحار الأنوار، ج٥٣، ص١١٧
وأَنِّي بِكُمْ مُؤْمِنٌ وَ بِإِيَابِكُم …
بحار الأنوار، ج٥٣، ص٩٢.
لذلك، وبالاستناد إلى دعاء اليوم الثالث والأدلة النقلية المتواترة الأخرى في مسألة رجعة الأئمة الاثني عشر، لا يبقى أي مجال للشك بأن الأوصياء بعد الإمام المهدي (عج) هم أنفسهم الأئمة الذين سيرجعون بعده.
النقطة الرابعة
تأويل أتباع مدّعي اليماني والرد عليه: بعد أن تبيّن أن الحديث الثاني في كتاب ناظم العقيلي ودعاء اليوم الثالث لا علاقة لهما بالمهديين من أبناء الإمام المهدي (عج) ولا بوصايتهم، لم يهدأ أتباع مدّعي اليماني، بل سعوا إلى التستر على فضيحة ناظم العقيلي بطرح إشكال ساذج وعامي، حيث قالوا: إن الإمام الصادق (عليه السلام) ذكر في الحديث الثاني أن بعد القائم سيكون هناك اثنا عشر مهديًا من ولد الحسين (عليه السلام).
فإذا كان هؤلاء المهديون هم نفس الأئمة الاثني عشر الذين سيرجعون، لكان كلام الإمام الصادق (عليه السلام) خاطئًا، لأن تسعة فقط من الأئمة هم من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام). وعليه، فإن كلام الإمام الصادق (عليه السلام) لا يشير إلى رجعة الأئمة الاثني عشر، بل يتعلق بالمهديين من أبناء الإمام المهدي (عج).
الردّ على هذا التأويل
١. كما أشرنا سابقاً، فإن الحديث الثاني لا علاقة له إطلاقاً بالمهديين من أبناء الإمام المهدي (عج) ولا بوصايتهم، ولا يثبت وجودهم، بل الشيء الوحيد الذي يُفهم من الحديث هو وجود مهديين من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام).
٢. ناظم العقيلي قد ربط الحديث الثاني بالأوصياء المذكورين بعد القائم في دعاء اليوم الثالث، و قد أبطلنا استدلاله هذا من نفس الدعاء، و بيّنا أنه على فرض ارتباط هذا الدعاء بالحديث الثاني، فإن المقصود بالمهديين هم الأئمة الاثنا عشر الذين سيرجعون، لأن جميع أوصياء النبي (صلى الله عليه وآله) قد ذُكر أنهم اثنا عشر و لم يُذكر أكثر من ذلك.٣. نحن في إثبات وجود أوصياء بعد الإمام المهدي (عج) لم نعتمد أبداً على الحديث الثاني ـ الذي سنده ضعيف ـ و لكن إن استدللنا به يوماً، فإننا نُجيب على إشكال أتباع مدّعي اليماني بـ”التغليب”، أي: بما أن تسعة من الأئمة هم من أبناء الإمام الحسين (عليه السلام)، فإن جميع الأئمة يُعدّون بمنزلة أبنائه، و هذه الطريقة من التعبير شائعة و مشهورة في الأدب العربي، و تُسمّى بـ”التغليب”.
تعريف اصطلاح التغليب
التغليب هو إحدى القواعد الأدبية و المجازات اللغوية، و يعني إلحاق شيء بحكم شيء آخر من باب الغلبة. يقول دهخدا في معجمه: “هو أن يُدخِل شيءٌ تحت حكم شيء آخر من باب الغلبة.” و قد وردت أمثلة كثيرة لهذا القاعدة في اللغة العربية، و نكتفي هنا بذكر بعض النماذج القرآنية المختصرة:
المثال الأول:
﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاص﴾ [البقرة: ١٧٨]
هذه الآية بصيغة المذكّر، ولكن معناها لا يقتصر على الرجال فقط، بل يشمل النساء أيضاً. ففي هذه الآية غُلّب المذكّر على المؤنث، و استُعمل اللفظ المذكر لكليهما.
و في الحقيقة، جميع الآيات التي تبدأ بعبارة (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا) تُعد مثالاً واضحاً لمبحث التغليب.
المثال الثاني:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ [المؤمنون: ١]
المقصود بالآية هم الرجال والنساء المؤمنون، و لكن من باب التغليب، استُعمل اللفظ المذكر و غُلّب على المؤنث.
المثال الثالث:
﴿وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلّا إِبْلِيس﴾ [طه: ١١٦]
مع أن إبليس كان من الجنّ و ليس من الملائكة، إلا أنه شُمل بالأمر بالسجود لآدم (عليه السلام) و مجازاً عُدّ من الملائكة من باب التغليب.
و هناك أمثلة قرآنية كثيرة أخرى، و يمكن مراجعة بعضها بالبحث عن كلمات مثل (للتغليب، تغليباً، التغليب) في كتاب “مفردات ألفاظ القرآن” للراغب الأصفهاني.
و في اللغة الفارسية أيضاً يُستخدم المجاز بالتغليب أحياناً، مثلاً: يخرج شخص من بيته لزيارة صديق، فيقطع ٩٠٪ من الطريق
بواسطة المترو، و الـ١٠٪ الباقية بواسطة سيارة أجرة (تاكسي). و عندما يسأله المضيف: “بأي وسيلة أتيت؟” يجيب: “بالمترو”، رغم أنه استقلّ التاكسي لمسافة قصيرة، لكنه أجاب بذلك من باب التغليب.
النتيجة:
الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع خاضعة لتأويلات هذه الفرقة، و لا تتضمن أي دلالة صريحة تدعم دعاواهم.