مناقشة في الحديث الخامس والعشرين من كتاب الأربعون في المهديين
دارالهداية| ناظم العقيلي البوق الأعظم لدعوى أحمد الحسن ألّف كتابًا أسماه بالأربعون في المهديين وأبناء القائم ليثبت فيه وجود الأبناء للإمام المهدي (عج الله تعالى فرجه) وقد زعم أنّه جمع في الكتاب المذكور أربعين حديثًا عن وجود أئمة اثني عشر بعد المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
دعوى ناظم العقيلي حول المهديين
١. الإمامة ليست محصورة في الاثني عشر. ٢. للمهديين الّذين يخلفون المهدي (عجل الله تعالى فرجه) مقام الإمامة والوصاية. ٣. المهديين هم عترة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) وأبناؤه.
الحديث الخامس والعشرين من كتاب الأربعين في المهديين
من الأحاديث الّتي حاول ناظم العقيلي منها استظهار ثالوث عقيدته الزائفة هو هذا الحديث:اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِ الْمَوْلُودِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ اسْتِهْلَالِهِ وَ وِلَادَتِهِ بَكَتْهُ السَّمَاءُ وَ مَنْ فِيهَا وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ لَمَّا يَطَأْ لَابَتَيْهَا، قَتِيلِ الْعَبَرَةِ وَ سَيِّدِ الْأُسْرَةِ الْمَمْدُودِ بِالنُّصْرَةِ يَوْمَ الْكَرَّةِ الْمُعَوَّضِ مِنْ قَتْلِهِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ نَسْلِهِ وَ الشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِهِ وَ الْفَوْزَ مَعَهُ فِي أَوْبَتِهِ وَ الْأَوْصِيَاءَ مِنْ عِتْرَتِهِ بَعْدَ قَائِمِهِمْ وَ غَيْبَتِهِ… اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ عِتْرَتِه… وَ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُسَلِّمُ لِأَمْرِهِ وَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَ عَلَى جَمِيعِ أَوْصِيَائِهِ وَ أَهْلِ أَصْفِيَائِهِ الْمَمْدُودِينَ مِنْكَ بِالْعَدَدِ الِاثْنَيْ عَشَرَ … . مصباح المتهجد، ج۲، ص۸۲۶.
النقطة الأولى: المَهديّون
إنّ ناظمَ العقيليّ يسعى إلى إيهامِ المخاطبين بأنّ الأوصياء بعد غيبة الإمام المهديّ عليه السلام المذكورين في الدعاء هم أنفسهم المَهديّون من وَلَدِه، بحيث يصبح مجموعُ أوصياءِ النبيّ صلى الله عليه وآله أربعةً وعشرين وصيًّا، غير أنّ الرجوع إلى تتمّة الدعاء يُسقِط هذا الادّعاء ويُبطِل دعواه، بل يجعل الدعاءَ نفسَه حجّةً قائمةً عليه، إذ إنّ هذا الدعاء الشريف ينصّ بوضوح على أنّ عددَ جميعِ أوصياءِ النبيّ صلى الله عليه وآله هو اثنا عشر وصيًّا لا غير، لا أربعةٌ وعشرون.
فتأمّل مرّةً أخرى في هذا الموضع من الدعاء:
“ويُكثِرُ الصلاةَ عليه عند ذكره، وعلى جميع أوصيائه وأهل أصفيائه، الممدودين منك بالعددِ الاثني عشر…”
النقطةُ الثانية
والآن، وبالنظر إلى أنّ عدد جميع أوصياء النبيّ صلى الله عليه وآله هو اثنا عشر وصيًّا، فإنّ المقصود بالأوصياء بعد الإمام المهديّ عليه السلام هم نفسُ الأئمّةِ والأوصياء الاثنا عشر السابقون الذين يرجعون، ولا يوجد أوصياء جُدُد تحت عنوان «المهديّين» أو «أبناء الإمام المهديّ عليه السلام». فقد وردت في الروايات الكثيرة الإشارةُ إلى رجعةِ الأئمّة عليهم السلام بعد الإمام المهديّ عليه السلام، ونذكر فيما يأتي عددًا من تلك الروايات: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) سُئِلَ عَنِ الرَّجْعَةِ، أَ حَقٌّ هِيَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ؟ قَالَ الْحُسَيْنُ يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِ الْقَائِمِ (ع)… بحارالانوار، ج۵۳، ص۱۰۳.
روايات الرجعة عن الأئمة (عليهم السلام)
عَن أَبی عَبْدِ اللَّهِ (ع):… أَوَّلُ مَنْ يَنْفُضُ عَنْ رَأْسِهِ التُّرَابَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فِي خَمْسَةٍ وَ سَبْعِينَ أَلْفاً وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا… بحارالانوار، ج۵۳، ص۱۰۶.
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) لِأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ… فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُ عَنْهُ الْأَرْضُ فَأَخْرُجُ خَرْجَةً يُوَافِقُ ذَلِكَ خَرْجَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ قِيَامَ قَائِمِنَا وَ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ (ص)… الخرائج و الجرائح، ج۲، ص۸۴۸.
النقطةُ الثالثة
ومع غضّ النظر عن النقطة الثانية، فإنّ احتمالَ عطفِ كلمة «الأوصياء» على الضمير «ـه» في عبارة «أوبته» قائمٌ أيضًا ـ وإذا جاء الاحتمالُ بَطَلَ الاستدلال ـ وبناءً على هذا الاحتمال يسقط استدلالُ ناظم العقيليّ بدعاء الثالث من شعبان، ويصبح باطلًا؛ لأنّ هذا الدعاء نصٌّ صريحٌ في رجعةِ الأئمّة عليهم السلام. انظر إلى ترجمة الدعاء: «والفوزَ معه في أوبته والأوصياءِ من عترته بعد قائمهم وغيبته»؛ أي: والفوزُ يكون معه في عودته، ومع عودة الأوصياء من عترته، بعد قائمهم وغيبته. نعم، إنّ استدلالَ ناظم العقيليّ بدعاء الثالث من شعبان ـ في أحسنِ تقديرٍ ممكن ـ لا يعدو أن يكون احتمالًا لا دليلًا، مع أنّ احتمالَ عطفِ كلمة «الأوصياء» على الضمير «ـه» قائمٌ كذلك. و لكنّ الحقيقةَ والواقعَ أنّه ـ في ضوء ما تَقدّم في النقطتين الأولى والثانية ـ لا يمكن قبولُ كلامِ ناظم العقيليّ ولا استدلاله، ولا حتى على جهةِ الاحتمال.
نقطةٌ نحويّة حول حديث المَهديّين
فإن قيل: إنّ احتمالَكم ـ أي عطف كلمة «الأوصياء» على الضمير «ـه» ـ غيرُ مقبول؛ لأنّه عند العطف على الضمير المجرور لا بُدّ من إعادة العامل في الجر، أي كلمة «أوبة».
نقول: إنّ «ابن مالك» ـ تبعًا لـ«يونس» و«الأخفش» و«الزجّاج» و«الكوفيّين» ـ لا يرى لزومَ هذا، بل يقول:
وعودُ خافضٍ لدى عطفٍ على *** ضميرِ خفضٍ لازمًا قد جُعلا
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى *** في النظم والنثرِ الصحيحِ مُثبتا
و شرحه: إذا عُطِفَت كلمةٌ على ضميرٍ مجرور، فقد جُعلت إعادةُ الخافض (أي عامل الجر) على المعطوف أمرًا لازمًا عند بعضهم؛ غير أنّه عندي غيرُ لازم؛ إذ قد ورد في النظم والنثر الصحيح عطفٌ بلا إعادةٍ للخافض. ثمّ إنّ «السيوطيّ» في شرحه على «ألفيّة ابن مالك» ردَّ أدلّةَ القائلين بوجوب إعادة العامل عند العطف على المجرور، وذكر أمثلةً عدّة، نُشير إلى واحدٍ منها: «ما فيها غيرُه وفرسه»؛ ففي هذا المثال عُطِفَت كلمة «فرسه» على الضمير المجرور في «غيره»، من غير إعادةٍ للعامل «غير». و مثالٌ آخر هو الذكرُ الشريف في الصلوات: «اللهم صلّ على محمدٍ وآلِ محمد»؛ فكلمة «آل» معطوفةٌ على «محمد» مع أنّ العامل «على» لم يُعَد.
وخلاصة الأمر أنّه عند العطف على المجرور لا يكون تكرارُ عامل الجر شرطًا لازمًا على المعطوف.
النقطةُ الرابعة
إنّ ناظمَ العقيليّ بعد ذكره دعاءَ الثالث من شعبان يقول:
«والأوصياءِ من عترته بعد قائمهم وغيبته؛ أي إنّ الأوصياء بعد الإمام المهديّ وغيبته هم من ذرّية الإمام الحسين عليه السلام ومن ذرّية القائم عليه السلام أيضًا…».
وهو يحاول من خلال أسلوبٍ نفسيّ قائمٍ على الإيحاء أن يُلقِيَ في ذهن القارئ أنّ الأوصياء المذكورين في الدعاء هم من أبناء القائم عليه السلام، غير أنّه ـ كما تَرَون ـ لا وجودَ في الدعاء ولا في تلك الفقرة لأيّ إشارةٍ تدلّ على ذلك.
النقطةُ الخامسة
إنّ أحمدَ بصريّ يَعدّ دعاءَ الثالث من شعبان صادرًا عن الإمام المهديّ عليه السلام، حيث يقول:
«وفي دعاء اليوم الثالث من شعبان ـ يومِ ولادة الإمام الحسين عليه السلام ـ الواردِ عن الإمام المهديّ عليه السلام: (اللهم إنّي أسألك بحقّ المولود في هذا اليوم…)». غير أنّ المدهش أنّ ناظمَ العقيليّ يرى أنّ هذا الدعاء صادرٌ عن الإمام العسكريّ عليه السلام، فيقول: «لأنّ الإمام العسكريّ عليه السلام قال: (و الأوصياءِ من عترته بعد قائمهم و غيبته)». نعم، إنّ أحمد بصريّ الذي يدّعي العلمَ الإلهيّ قد جعل ـ بموافقته كتابَ ناظم العقيليّ ـ جهلَه ظاهرًا للعيان مرارًا وتكرارًا.
النقطةُ السادسة
إنّ هذا الدعاءَ الشريف يصرّح برجعةِ الإمام الحسين عليه السلام وعودته، وهو أمرٌ يُبطِل دعوى الفرقةِ المسمّاة باليمانيّة. فتأمّلوا في بعض فقرات هذا الدعاء: قَتِيلِ الْعَبَرَةِ وَ سَيِّدِ الْأُسْرَةِ الْمَمْدُودِ بِالنُّصْرَةِ يَوْمَ الْكَرَّة… وَ الْفَوْزَ مَعَهُ فِي أَوْبَتِه… وَ عَاذَ فُطْرُسَ بِمَهْدِهِ فَنَحْنُ عَائِذُونَ بِقَبْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ نَشْهَدُ تُرْبَتَهُ وَ نَنْتَظِرُ أَوْبَتَهُ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. نعم، إنّ هذه الفقرات تُثبت بطلانَ أحمد بصريّ وفرقتِه؛ إذ إنّه لا يعتقد بالرجعةِ الحقيقيّة في هذا العالم الذي نعيش فيه، بل يعدّها أمرًا غيرَ عقليّ. وتأمّلوا في عباراته حيث يقول: «عالمُ الرجعة عالمٌ غيرُ هذا العالم الذي نعيش فيه… فالعقلُ والواقعُ لا يقبلان أن تكون هذه المسائل ـ أي الأعمارُ الطويلةُ للناس، وكثرةُ أولادهم، وغير ذلك ـ موجودةً في هذه الدنيا مع ما فيها من حدود». (الرجعة، ص ٢١)
ادّعاءاتُ المدّعي حول الرجعة
يقول المدّعي إنّ الرجعة رجعتان: الرجعةُ الأولى تكون في صورةِ المثال والنظير، وتقع عند قيام القائم عليه السلام. أمّا الرجعةُ الثانية فستكون بالروح والجسد اللذين يليقان بها، وهي ـ كما يقول ـ عالَمٌ آخر من عوالم الله العظمى، وسيتحدّث عنها هناك. وقد تقدّم عنده أنّها ستكون في السماء الأولى. (الرجعة، ص ٤٣) و يقول أيضًا: «وهي عالَمٌ آخر وابتلاءٌ آخر لمن بلغ الإيمانَ المحض أو بلغ الكفرَ المحض، وعالَمُ الرجعة يبدأ بانتهاء حكومة المهديّ الثاني عشر، ذلك القائم الذي يخرج عليه الحسين بن عليّ عليه السلام». (الرجعة، ص ٣١)
كما يقول في موضعٍ آخر: «وأمّا ما رُوِيَ بشأن أصحاب الكهف من أنّهم يُبعثون مع القائم عليه السلام… فليس المقصود رجعتَهم هم أنفسهم، بل المراد في هذه الروايات نُظراؤهم وأمثالُهم من أصحاب القائم عليه السلام…». (الرجعة، ص ٤٣).
و يضيف: «وبعبارةٍ أخرى فإنّ من أنصار الإمام المهديّ عليه السلام قومًا يشبهون هؤلاء المذكورين في الروايات، لا أنّ أولئك الأشخاص أنفسهم يعودون». (الرجعة، ص ٤٥) غير أنّه ـ كما قد تبيّن ـ فإنّ دعاءَ يومِ الثالث من شعبان يصرّح برجعةِ شخصِ الإمام الحسين عليه السلام، وهو أمرٌ يناقض الرجعةَ المثاليّة أو الرجعةَ في السماء الأولى بعد المهديّ الثاني عشر. بل إنّ الرواياتِ التي ذُكرت في النقطة الثانية والمتعلّقة بالرجعة ليس فيها أيّ إشارةٍ إلى هذه الدعاوى المتكلّفة، لا إلى الرجعة المثاليّة ولا إلى الرجعة في السماء الأولى.



