دارالهداية| إن الأمل بقدوم «المصلح العظيم السماوي» في مستقبل مشرق، واستقرار العدل والسلام الشامل بين الناس، أمر فطري مغروس في كيان الإنسان، لا يحده زمان ولا مكان، ولا يختص بقوم أو أمة دون أخرى.

المهدوية في الأديان

إن جميع البشر، بحسب فطرتهم الإلهية، ينتظرون أن يتجلى في العالم قائد رباني، سماوي المنشأ، ينقذ الأرض من ظلم الظالمين، ويخلصها من الفوضى، وانعدام الأمن، وظلمات الشقاء، ليبلغ بها غاية الكمال، وحياة الكرامة والطمأنينة. وقد تحدثت أكثر الأديان والمذاهب في العالم عن هذا المصلح الذي يظهر في آخر الزمان، فيقضي على الجور والخيانة، ويقيم أسس حكومة عالمية واحدة، قائمة على العدل والحرية الحقيقية. كما أن جميع الأنبياء والرسل الإلهيين قد بشروا المؤمنين في العالم بقدومه، وأذاعوا الأمل في ظهوره. غير أن أتباع الأديان والمذاهب المختلفة قد اختلفوا في تسميته وصفاته، أما المسلمون فقد قدموا أكمل صورة له، وعرفوه باسم «المهدي الموعود» عليه السلام.

ظهور المنقذ

إن الإيمان بظهور «المنقذ» والرجاء بـ«مستقبلٍ مشرق» تُزال فيه المخاوف والهموم، وتنجلي الظلمات عن وجه الأرض، وتُستأصل جذور الظلم والجهل والفساد، هو عقيدةٌ عامّةٌ كانت وما زالت حيّةً في وجدان أكثر الأمم والشعوب. وبحسب ما توصّل إليه الباحثون في القضايا الإسلامية، فإنّ هذه العقيدة كانت راسخةً على الدوام بين معظم الأمم وأتباع الأديان الكبرى، بل إنّ أقواماً شتّى من شعوب الأرض، كالاسلافيين والجرمان و الإسنيّين والسلت، يؤمنون بأنّ قائداً سيظهر في آخر الزمان، ليقضي على الظلم والجور، ويُقيم حكومةً عالميّةً واحدةً، يحكم فيها بين الناس بالعدل والإنصاف. كنموذجٍ نعرض رؤيتَيِ اليهوديّة والمسيحيّة حول «الموعود»:

فكرة الموعود في الديانة اليهوديّة

إنّ اليهود الذين يرون أنفسهم أتباع النبيّ موسى عليه السلام، يعيشون حالةَ انتظارٍ لمجيء الموعود. ففي كتبهم الدينيّة، ولا سيّما في أسفار التوراة وسائر كتب أنبيائهم، وردت الإشارات المتكرّرة إلى هذا الموعود المنتظر. ولـمّا كان اليهود لم يؤمنوا بالمسيح عيسى عليه السلام، فإنّ موعودهم ـ بحسب اعتقادهم ـ لم يظهر بعد. وإذا ما تأمّلنا في النصوص المقدّسة لليهود، أمكن أن نلحظ فيها ملامحَ ثلاثة مواعيد عظيمة:
1. النبيّ عيسى المسيح عليه السلام،
2. النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم،
3. الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

و بناءً على ذلك، فإنّ الانتظار في اليهوديّة يكتسب طابعاً خاصّاً، إذ إنّ هذا القوم ـ لعدم إيمانهم بعيسى عليه السلام، ولا بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم ـ ينبغي أن يكونوا أكثر حساسيّةً وقلقاً إزاء قضيّة الموعود و الانتظار، فلا يجوز لهم أن يمرّوا على ما ورد في كتبهم من الإشارات والبشارات مرور الغافلين. بل الأَولى بهم أن يكونوا أشدّ انتظاراً من سائر الأمم، وأكثر استعداداً وتفكيراً في ظهور ذلك المخلّص الموعود. و مع ذلك، فإنّ الحراك الواضح لليهود في العصر الحاضر، وسعيهم المحموم لإعادة بناء هيكل سليمان، وتجهيز بيت المقدس لاستقبال المنجي، يمكن أن يُعدّ دليلاً على هذا الانتظار الراسخ في فكرهم؛ وإن كان هذا التوجّه يحمل انحرافاً بيّناً عن المسار الإلهيّ الحقّ. سفر إشعيا، الإصحاح الحادي عشر، الفقرة 110، وسفر المزامير لداود عليه السلام: في مزامير داود، كما في القرآن الكريم، نلمح البشارة بغلبة الصالحين، كما قال تعالى: ﴿وَ لَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 106).و بالرجوع إلى «الزبور» الحالي (المزامير)، نجد هذه البشارة نفسها، حيث ورد: «لأن الأشرار ينقطعون، أما المتوكلون على الرب فيرثون الأرض… أما الودعاء فيرثون الأرض ويتلذذون بكثرة السلام». (مزامير داود، المزمور السابع والثلاثون، الفقرات من 9 فصاعداً).

فكرة الموعود في الديانة المسيحية

إنّ الديانة المسيحية، ولا سيما من جهة المباحث المعرفية والعقائدية، تُعدّ امتداداً للديانة اليهودية، إذ إنّ المصدر الديني والثقافي الأساسي فيها هو العهد القديم، وهو نفسه الكتاب المقدّس لدى اليهود. ولذلك، فإنّ ما يُقال في شأن الديانة اليهودية يصحّ في الجملة على الديانة المسيحية أيضاً. وإضافةً إلى ما ورد في النصوص اليهودية التي أُشير إليها آنفاً، نجد في الكتب الخاصة بالمسيحية بشاراتٍ أوضح وأكثر تفصيلاً بشأن الموعود في آخر الزمان، وذلك لسببين رئيسين:
1. أنّ بظهور السيد المسيح عليه السلام، أصبح الزمان في مقاييسه الكبرى أقرب إلى عصر ظهور الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف؛
2. وأنّ التحريف في الكتب المسيحية كان أقلّ منه في النصوص اليهودية، لأنّ الفاصل الزمني بين نزول كتب العهد القديم وكتب العهد الجديد أطول، الأمر الذي حال دون تمكّن أيدي التحريف من العبث بها بالقدر نفسه، وإن كان علماء المسيحية قد خاضوا جهوداً كبيرة في التثبّت من صحة الأناجيل أو ردّها، وقد قلّما أقرّوا بصحة إنجيل برنابا الذي وردت فيه بشارات صريحة بظهور الموعود المنتظر. وذلك لأمرين رئيسين:

1. أنّه بظهور السيد المسيح عليه السلام، أصبح الزمان ـ في مقياسه العام ـ أقرب إلى عصر ظهور الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
2. وأنّ التحريف في هذه الكتب كان أقلّ ممّا طرأ على الكتب اليهودية؛ لأنّ المدّة الزمنية الفاصلة بين نزول الكتب المقدّسة عند اليهود وبين نزول الكتاب المقدّس عند المسيحيين أطول بكثير، ممّا جعل أيدي التحريف و الكتمان لا تنال منها بالقدر نفسه. و مع ذلك، فقد بذل علماء المسيحية جهوداً كبيرة في هذا المجال، فبحثوا في صحّة الأناجيل وردّها، واهتمّوا بمسألة التحريف والتبديل، غير أنّهم قلّما أقرّوا بصحّة إنجيل برنابا، على الرغم ممّا ورد فيه من بشاراتٍ واضحةٍ بظهور الموعود المنتظر.

المهدويّة في المصادر المسيحية

وفيما يلي بعض الشواهد التي تتضمّن البشارات بظهور المنجي في آخر الزمان: إنجيل متّى: «ومتى جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة القدّيسين معه، حينئذٍ يجلس على كرسي مجده العظيم، وتُجتمع أمامه جميع القبائل، فيفرزهم بعضهم عن بعض، كما يفرز الراعي الخراف من الجداء…» (إنجيل متّى، الإصحاح الخامس والعشرون، الفقرات 31 وما بعدها). إنجيل مرقس: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، لا ملائكة السماء ولا الابن، إلا الآب وحده. فانظروا واسهروا وصلّوا، لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت. فكما أن إنساناً سافر إلى كورة بعيدة وترك بيته، وسلّط خدمه، وأعطى كلّ واحدٍ عمله، وأوصى البواب أن يسهر، اسهروا إذن، لأنكم لا تعلمون متى يأتي ربّ البيت، أمساءً أم في نصف الليل، أم عند صياح الديك، أم صباحاً، لئلّا يأتي بغتةً فيجدكم نياماً. وما أقوله لكم، أقوله للجميع: اسهروا.» (إنجيل مرقس، الإصحاح الثالث عشر، الفقرات 32 وما بعدها).

سید

دیدگاهتان را بنویسید