وقفة عند الحديث الحادي والعشرین من كتاب الأربعون لناظم العقيلي
دارالهداية| ناظم العقيلي البوق الأعظم لدعوى أحمد الحسن ألّف كتابًا أسماه بالأربعون في المهديين وأبناء القائم ليثبت فيه وجود الأبناء للإمام المهدي (عج الله تعالى فرجه) وقد زعم أنّه جمع في الكتاب المذكور أربعين حديثًا عن وجود أئمة اثني عشر بعد المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
دعوى ناظم العقيلي حول المهديين
١. الإمامة ليست محصورة في الاثني عشر. ٢. للمهديين الّذين يخلفون المهدي (عجل الله تعالى فرجه) مقام الإمامة والوصاية. ٣. المهديين هم عترة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) وأبناؤه.
الحديث الحادي والعشرين من كتاب الأربعين في المهديين
من الأحاديث الّتي حاول ناظم العقيلي منها استظهار ثالوث عقيدته الزائفة هو هذا الحديث: عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَ افْتَرَضْتُ عَلَى عِبَادِي عشَرَةَ فَرَائِضَ إِذَا عَرَفُوهَا أَسْكَنْتُهُمْ مَلَكُوتِي وَ أَبَحْتُهُمْ جِنَانِي. أَوَّلُهَا: مَعْرِفَتِي، وَالثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ رَسُولِي إِلَى خَلْقِي وَ الْإِقْرَارُ بِهِ وَ التَّصْدِيقُ لَهُ، وَالثَّالِثَةُ: مَعْرِفَةُ أَوْلِيَائِي وَ أَنَّهُمُ الْحُجَجُ عَلَى خَلْقِي مَنْ وَالاهُمْ فَقَدْ وَالانِي وَ مَنْ عَادَاهُمْ فَقَدْ عَادَانِي وَ هُمُ الْعَلَمُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَ خَلْقِي وَ مَنْ أَنْكَرَهُمْ أَصْلَيْتُهُ [أَدْخَلْتُهُ] نَارِي وَ ضَاعَفْتُ عَلَيْهِ عَذَابِي، والرَّابِعَةُ: مَعْرِفَةُ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ أُقِيمُوا مِنْ ضِيَاءِ قُدْسِي وَ هُمْ قُوَّامُ قِسْطِي والْخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ الْقُوَّامِ بِفَضْلِهِمْ وَ التَّصْدِيقُ لَهُمْ، وَالسَّادِسَةُ: مَعْرِفَةُ عَدُوِّي إِبْلِيسَ وَ مَا كَانَ مِنْ ذَاتِهِ وَ أَعْوَانِهِ، وَالسَّابِعَةُ: قَبُولُ أَمْرِي وَ التَّصْدِيقُ لِرُسُلِي، وَالثَّامِنَةُ: كِتْمَانُ سِرِّي وَ سِرِّ أَوْلِيَائِي، وَالتَّاسِعَةُ: تَعْظِيمُ أَهْلِ صَفْوَتِي وَ الْقَبُولُ عَنْهُمْ وَ الرَّدُّ إِلَيْهِمْ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ الشَّرْحُ مِنْهُمْ، وَالْعَاشِرَةُ: أَنْ يَكُونَ هُوَ وَ أَخُوهُ فِي الدِّينِ شَرَعاً سَوَاءً فَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ أَدْخَلْتُهُمْ مَلَكُوتِي وَ آمَنْتُهُمْ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَ كَانُوا عِنْدِي فِي عِلِّيِّين.
التمحیص، ص، ۶۹.
الجواب على رواية المهديين
أولًا (عدم الارتباط بالمهديين)
منذ بداية هذا الكتاب لناظم العقيلي، لا توجد رواية واحدة ولا نصّ واحد يدلّ على «وجود اثني عشر إمامًا بعد القائم من ذريّته». وإنّ ناظمًا وإمامه، من شدّة العجز والاضطرار، يتتبّعان كلّ لفظٍ أو معنى لعلّهما يجدان فيه ما يُؤيّد دعواهما المبتدعة، فيؤولانه تأويلًا باطلًا، ويفسّرانه برأيٍ جاهلٍ بعيدٍ عن الصواب، ليبرّرا به ادّعاءهما المحدث في الدين.
ثانيًا (عدم الدليل على إمامة المهديين)
لا يوجد نصّ ولا كلمة واحدة تدلّ دلالة صريحة أو ضمنيّة على إمامة هؤلاء الأشخاص.
ثالثًا
لا يوجد في هذا الحديث أيّ دليلٍ أو إشارةٍ تدلّ على أنّ هؤلاء من نسل القائم عليه السلام.
رابعًا (وجود المهديين في عصر الأئمّة)
لا دليل على وجود هؤلاء الأشخاص في الزمان اللاحق للأئمّة الاثني عشر، بل الروايات تدلّ على أنّهم كانوا موجودين في زمان الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام أنفسهم، وهم أحياء في حياتهم.
خامسًا
لا يوجد أيّ دليلٍ على عدد هؤلاء الأشخاص، ولا على كونهم اثني عشر نفرًا.
سادسًا
لا دليل على حجّيّة هؤلاء الأشخاص، بل مقتضى سياق الرواية وتقسيماتها أنّ عدم حجّيّتهم هو الثابت، إذ إنّ الروايات الصريحة في الكافي الشريف تنصّ على أنّ «الحجّة الظاهرة» مختصّة بالأنبياء والرسل والأئمّة دون غيرهم.
سابعًا
وعلى خلاف ما ادّعاه ناظم، فإنّ الذي تثبته الرواية هو نفي حجّيّة هؤلاء الأشخاص، لأنّ الحديث في مقام بيان الترتيب والتقسيم والمراتب والمقامات: ففي المقام الأوّل يُشار إلى مقام الألوهيّة والربوبيّة والتوحيد، وفي المقام الثاني إلى مقام الرسالة، وفي المقام الثالث إلى مقام الحجّيّة، وما بعده مراتب أدنى من مقام الحجّيّة، ودون رتبة الحجج الإلهيّين. ولذا فإنّ كلّ من خرج عن المقام الثالث لا يُعدّ حجّة، لأنّ الحجّة هو فقط من كان في مصداق ذلك المقام الثالث.
ثامنًا
في المقام الثالث، الكلام عن وجوب معرفة الحجج والأولياء الإلهيّين، ولذلك فإنّ معرفة جميع هؤلاء الحجج الإلهيّين مشمولة في هذا المقام. وسواء قلنا بوجود تفاوتٍ في مراتب الحجج الإلهيّين أو لم نقل، فلا معنى لأن يقال: إنّ في المرتبة الرابعة أُمرنا بمعرفة الحجج الإلهيّين مرّةً أخرى، مع أنّه لا يوجد في تلك المرتبة أيّ إشارة أو دليلٍ على حجّيّتهم، بل لم يُذكروا إلا بعنوان «أشخاص»، بخلاف المقام الثالث، حيث وُصفوا بعنوان «الحجج والأولياء الإلهيّين».
تاسعًا
ومن الملاحظ أيضًا اختلافُ نوع المعرفة بين المراتب المذكورة. فكما رأيتم في الحديث، حين يتحدّث عن معرفة الحجج الإلهيّين، يقول: «معرفة أوليائي، وهُم الحجج على خلقي، مَن أحبّهم فقد أحبّني، ومَن أبغضهم فقد أبغضني، وهم العلامة بيني وبين خلقي، مَن أنكرهم أُدخِله ناري وأضاعف عليه عذابي». ونعلم أنّ هذا هو الحقّ الثابت في الروايات المتواترة، إذ إنّ جميع هذه اللوازم المعرفيّة إنما تثبت للحجج الإلهيّين دون غيرهم.
أمّا في المرتبة الرابعة، فليس في الحديث سوى الأمر بالمعرفة فحسب، دون أيٍّ من تلك اللوازم التابعة لها، ممّا يدلّ على اختلاف المقامين اختلافًا بيّنًا.
عاشرًا
وأمّا عبارة «هُم قُوّامُ قِسطي»، فهي وحدها كافيةٌ لإبطال كلّ دعوى ناظم العقيلي وإمامه، بل تكفي لتُبيّن مدى بطلان استشهاداتهم السخيفة الواهية. فنسأل ناظمًا: من أيّ موضعٍ من هذه العبارة استخرج دعوى إمامة اثني عشر ولدًا للقائم بعده؟! وقد سبق له أن تمسّك بعبارةٍ شبيهةٍ بها، ولذلك نحيل الإخوة الكرام إلى الحديث التاسع عشر، حيث فصّلنا هناك القولَ وبيّنا أنّ القيام بالقسط ليس أمرًا مختصًّا بالأئمّة عليهم السلام.
فالأئمّة هم رأسُ كلّ خيرٍ ومصدرُ كلّ فضيلة، وكلّ خيرٍ في الوجود إنما يتفرّع من نورهم وبركتهم، كما في قولهم: «إن ذُكر الخير كنتم أوّله وأصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه». فالإمام المعصوم جامعٌ لجميع الصفات الحسنة، أمّا وجود صفةٍ حسنةٍ في شخصٍ ما فلا يجعله إمامًا. إنّ أهل البيت عليهم السلام قِوامٌ بالقسط، ولكن ليس كلّ من قام بالقسط إمامًا؛ كما أنّ الأئمّة مهديّون، ولكن ليس كلّ مهديٍّ إمامًا.
الإمامة و التبصرة من الحيرة،ج:۱،ص:۶۰
الحادي عشر
النقطة الجديرة بالانتباه هي الأمر بوجوب معرفة هؤلاء الأشخاص، ولكن تأمّلوا بدقّة، فإنّ هذه الجملة نفسها تُعدّ ردًّا آخر على تفسيرهم الباطل؛ إذ من المعلوم أنّه منذ بداية بعثة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله، وفي زمن الأئمّة عليهم السلام، وحتّى طوال عصر الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا، لم يعتقد أحدٌ من الشيعة، ولا من علمائهم، بوجود اثني عشر مهديًّا من أولاد القائم أو بإمامتهم أصلًا.
الثاني عشر
ومن الطريف أنّ هذه الرواية نفسها قد استدلّ بها فرقة الشيخية أيضًا، وكأنّها صارت ميدانًا لكلّ من يفسّرها على حسب هواه، «كُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَى». فمثلًا يقول زين العابدين خان الكرماني بعد نقله الحديث: «هذا الخبرُ صريحٌ في وجوب معرفة العلماء الكاملين من الشيعة، وهم الذين أُقيموا من ضياء قدسه». أي: إنّ هذا الخبر يدلّ دلالةً واضحةً على وجوب معرفة العلماء الكاملين من الشيعة، وهم أولئك الذين نهضوا بنور قدس الله تعالى.
تتميم رسالة إيضاح الاشتباه، ص ٦.
وكذلك يقول محمد خان الكرماني: «إنّ في الرابعة يُحتمل أن يكون المراد من الأشخاص الأنبياء، ولكن الأقرب بسياق الخبر أنّ المراد منهم النقباء، وفي الخامسة النجباء.» أي: إنّه في الفريضة الرابعة يُحتمل أن يكون المقصود بالأشخاص هم الأنبياء، غير أنّ الأقرب إلى سياق الحديث أنّ المراد منهم النقباء، وفي الفريضة الخامسة النجباء.
ينابيع الحكمة، ج ١، ص ٤٩٩.
ويُذكر هنا أنّ فرقة الشيخية تعتقد بضرورة وجود شخصٍ يكون واسطةً بين الإمام المعصوم والناس، وتُسمّيه الرُّكن الرابع. و«الرُّكن الرابع» عندهم هو إنسانٌ كاملٌ من جميع الجهات، وجودُه ضروريٌّ في كلّ عصر، عالمٌ بجميع العلوم، متصرِّفٌ في عالم الوجود، وهو الواسطة فيضٍ بين إمام العصر عليه السلام وبين الناس. وقد استُعملت في بعض مصادر الشيخية بدل لفظ الرُّكن الرابع عباراتٌ مثل: النقباء، النجباء، العالم الكامل، الباب، الإمام الناطق، النائب الخاص، الشيخ، السلطان، ونحوها.