وقفة عند الحديث العشرین من كتاب الأربعون لناظم العقيلي
دارالهداية| ناظم العقيلي البوق الأعظم لدعوى أحمد الحسن ألّف كتابًا أسماه بالأربعون في المهديين وأبناء القائم ليثبت فيه وجود الأبناء للإمام المهدي (عج الله تعالى فرجه) وقد زعم أنّه جمع في الكتاب المذكور أربعين حديثًا عن وجود أئمة اثني عشر بعد المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
دعوى ناظم العقيلي حول المهديين
١. الإمامة ليست محصورة في الاثني عشر. ٢. للمهديين الّذين يخلفون المهدي (عجل الله تعالى فرجه) مقام الإمامة والوصاية. ٣. المهديين هم عترة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) وأبناؤه.
الحديث العشرين من كتاب الأربعين في المهديين
من الأحاديث الّتي حاول ناظم العقيلي منها استظهار ثالوث عقيدته الزائفة هو هذا الحديث:
عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَال سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا تَطُولُ حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ مَاتَ وَ يَقُولَ بَعْضُهُمْ قُتِلَ وَ يَقُولَ بَعْضُهُمْ ذَهَبَ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ لا يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ وُلْدِهِ وَ لَا غَيْرِهِ إِلَّا الْمَوْلَى الَّذِي يَلِي أَمْرَه.
الغيبة (للطوسي)، ص۱۶۲.
النقطةُ الأولى حول «المهديين»
إنّه بالرجوع إلى نصّ الكتاب، يُلاحظ أنّ الناظم العقيلي لم يَقُل أصلًا إنّ «المولى الذي يلي أمره» بمعنى الوصيّ أو صاحب الولاية بعده، ولم يَدّعِ أيضًا أنّ هذا «المولى الذي يلي أمره» هو نفسُه «الولد». بل إنّ الناظم لم يتطرّق إلى هذه المسائل أصلًا، ولم يُصرّح بمثل هذه الدعوى. غير أنّ الأتباع من الناطقين بالفارسيّة لم يفهموا مراد الناظم العقيلي من هذا الكتاب، فظنّوا أنّ الجملة التي استشهد بها هي «إلا المولى الذي يلي أمره»، مع أنّ الناظم لم يكن بصدد الاستشهاد بهذه العبارة أصلًا، بل كان غرضه الأوحد إثبات وجود الذريّة للقائم عليه السلام. ولكنّ المؤسف أنّ بعض الأتباع الإيرانيّين فسّروا كلمة «المولى» هنا بمعنى «الخليفة» أو «الوصيّ» بعده، فحملوا الكلام على غير وجهه، وأدخلوا البحث في غير مساره. ولهذا نرى أنّ الناظم لا يدّعي أنّ هذا الشخص ـ أي «المولى الذي يلي أمره» ـ هو نفسُه ولد القائم أو من ذريّته، ولا يقول إنّ في هذه العبارة دلالةً على الوصاية أو الولاية أو ما شابه ذلك، بل غايته من الاستدلال كانت في قوله: «لا يطّلع على موضعه أحدٌ من ولده»، ليستنتج منها أنّ للإمام المهديّ عليه السلام أولادًا وذرّيّةً في زمن الغيبة، كما صرّح بذلك بنفسه حين قال: «الحديث صريحٌ في وجود الذريّة للإمام المهديّ عليه السلام في زمن الغيبة».
النقطة الثانية في حديث المهديين
تسليط الضوء على الاضطراب في الحديث والاختلاف في الألفاظ. عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ ع قَالَ: إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا تَطُولُ حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ مَاتَ وَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ قُتِلَ وَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ ذَهَبَ فَلَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلِيٍّ وَ لَا غَيْرِهِ إِلَّا الْمَوْلَى الَّذِي يَلِي أَمْرَهُ.
الغيبة (للنعماني)، ص۱۷۲
الْمُفَضَّلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ الْأُخْرَى حَتَّى يُقَالَ مَاتَ وَ بَعْضٌ يَقُولُ قُتِلَ فَلَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ لَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ عَلَى مَوْضِعِهِ وَ أَمْرِهِ وَ لَا غَيْرِهِ إِلَّا الْمَوْلَى الَّذِي يَلِي أَمْرَه.
الغيبة (للطوسي)، ص۶۱
مع أنّ الناظم العقيلي حاول أن يُثبت وقوعَ تصحيفٍ في نصّ «الغيبة للنعماني»، إلّا أنّنا نرى ـ مع ذلك ـ أنّ في «الغيبة للطوسي» أيضًا اختلافًا واضحًا، حيث ورد الحديث في بعض النسخ من غير عبارة «من ولده».
ولذلك فإنّ هذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلًا يعتمد عليه الأتباع، لأنّه في حالِ سقوطِ عبارة «من ولده» لا يدلّ أصلًا على وجود ذرّيةٍ للإمام عليه السلام، وأمّا في حال ثبوتها، فإنّه لا يَرتبط بادّعاءات الأتباع من قريبٍ ولا بعيد، بل يقتصر دلالته على أصلِ وجودِ الذريّة للإمام عليه السلام، وهو أمرٌ لا خلافَ فيه.
وقد أشار الناظم العقيلي نفسه إلى هذا المعنى فحسب، ولم يَتجاوزْه إلى غيره.
النقطة الثالثة
إنّ دعوى الأتباع هي أنّ هذا «المولى الذي يلي أمره» من أولاد الإمام المهديّ عليه السلام، في حين أنّ الرواية صريحة في نفي اطّلاع أولاد الإمام عليه السلام على موضعه.
فالنصّ يقول بوضوح: «لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ وُلْدِهِ وَلَا غَيْرِهِ»، أي أنّ لا أحد من أولاده ولا من غيرهم يعلم بمكان الإمام عليه السلام.
إلّا أنّ الأتباع خالفوا نصّ الرواية مخالفةً صريحة، فزعموا أنّ ولد الإمام مطّلع على موضعه. والمشكل في هذا القول أنّ الرواية نفت علم الولد وغير الولد جميعًا، أي نفت علم الجميع ــ ومنهم المهديّون أيضًا ــ فكيف يُستثنى بعد ذلك «المولى الذي يلي أمره» توضيح ذلك بمثال:
لو ذهبتُ إلى عيادةٍ طبّية فوجدتُ بابها مغلقًا، فسألتُ الجار: «هل يوجد أحدٌ في الداخل؟» فقال: «لا، لا يوجد أيّ طبيبٍ في الداخل، ولا أحدٌ آخر، سوى شخصٍ واحدٍ يعمل هناك». ففي هذا المثال، نفيُ وجود الطبيب باقٍ على حاله، أي نحن على يقينٍ أنّ الطبيب غير موجود. أمّا النفي العام، وهو «لا أحد في الداخل»، فقد خُصِّص بوجود شخصٍ واحدٍ يعمل، لكنّنا مع ذلك نعلم يقينًا أنّ هذا الشخص العامل ليس طبيبًا، لأنّ النفي الخاصّ للطبيب ما زال ثابتًا. وعلى هذا القياس، فالنفي الخاصّ في الرواية عن «الولد» يبقى قائمًا، ولا يمكن بعده ادّعاء أنّ «المولى الذي يلي أمره» هو من أولاد الإمام عليه السلام.
النفي في رواية «المهديين»
في هذه الرواية وُجد نفيان اثنان:
1. نفيٌ خاصّ: وهو نفي اطّلاع فئةٍ معيّنة، وهم أولاد الإمام عليه السلام.
2. نفيٌ عامّ: وهو نفي اطّلاع جميع الناس.
ثمّ ورد بعد ذلك تخصيصٌ، وهذا التخصيص إنّما يَرِد على العامّ لا على الخاصّ؛ لأنّنا نعلم بوقوع أصل التخصيص، ولكن لا نعلم أنّ هذا التخصيص يتعلّق بفئةٍ بعينها. فالتخصيص ثابتٌ من حيث الأصل، غير أنّ تعيين محلّه يحتاج إلى بيانٍ خاصّ.
وعليه، فالنفي العامّ عن اطّلاع الناس جميعًا قد خُصِّص بقول الرواية: «إلّا المولى الذي يلي أمره»، أمّا النفي الخاصّ عن أولاد الإمام عليه السلام فلم يَرِد ما يرفعه، فهو باقٍ على حاله؛ لأنّ رفع النفي الخاصّ لا يكون إلّا ببيانٍ خاصٍّ يُعيّنه.
الادّعاء الثابت حول حديث «المهديين»
قد تبيّن وثبت بما لا شكّ فيه ما يلي:
1. إنّ «المولى الذي يلي أمره» ليس من أولاد الإمام عليه السلام، بنصّ الحديث الصريح.
2. كما ثبت أيضًا أنّه ــ وفقًا لنصّ الرواية ــ لا أحد من أولاد الإمام عليه السلام يعلم بمكانه في زمن الغيبة، وهذا بحدّ ذاته ردٌّ واضح على دعوى أحمد البصري الذي زعم أنّه من أولاد الإمام، فإنّ الرواية تُثبت أنّه كاذب في ادّعائه؛ لأنّ أولاد الإمام عليه السلام لا يطّلعون على موضعه أصلًا.
وقد ورد في «الكافي» حديثٌ يشرح المقصود من هذه الفئة، ويبيّن أنّ المراد بهم الخدّام المخلصون الذين يكونون في خدمة الإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف منذ بداية الغيبة الكبرى.
فنصّ الحديث يقول:
«لصاحب هذا الأمر غيبتان…»،
ثمّ يذكر علامتين لهاتين الغيبتين:
1. إحداهما تطول حتّى يُنكر أمره جماعة من الناس.
2. ولا يطّلع على موضعه أحدٌ في فترة الغيبة «إلّا خاصّة مواليه».
فالمقصود بـ«خاصّة مواليه» هم أولئك الخدّام المقرّبون الذين شُرّفوا بخدمته في غيبته الكبرى، وهذه نقطةٌ بالغة الأهميّة ينبغي الالتفات إليها.
موالي الإمام المهدي (عجل الله فرجه)
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ عَنِ اِبْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ : لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ وَ اَلْأُخْرَى طَوِيلَةٌ اَلْغَيْبَةُ اَلْأُولَى لاَ يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلاَّ خَاصَّةُ شِيعَتِهِ وَ اَلْأُخْرَى لاَ يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلاَّ خَاصَّةُ مَوَالِيهِ.
الکافي، ج۱، ص۳۴۰.
1. من الواضح أنّ «مواليه» لا تُشير إلى شخصٍ واحد، بل إلى جماعةٍ من الأشخاص الممتدّين عبر زمن الغيبة.
2. وهذه الموالي حاضرةٌ في طول فترة الغيبة الكبرى، وهي في خدمة الإمام عليه السلام على الدوام.
3. وبذلك يُردّ تمامًا الادّعاء القائل بأنّ عبارة «إلّا المولى الذي يلي أمره» تعني الوصيّ أو الإمام بعده؛ لأنّ النصّ نفسه يقول «مواليه» أي جماعة من الخُدّام، لا شخصًا واحدًا.
4. ومن البيّن الجليّ أنّ لفظتي «مولى» و «موالي» في كلا الروايتين تُستعملان بالمعنى المفعوليّ، أي الخادم والتابع والمطيع للإمام عليه السلام، وهذا أمرٌ قطعيّ لا شكّ فيه ولا ريب.
النقطة الرابعة
ما معنى قوله: «المولى الذي يلي أمره»؟ قد ذكرنا سابقًا أنّ هذا الفهم لم يقله الناظم العقيلي أصلًا في كتابه، وإنّما هو ادّعاءٌ باطلٌ اخترعه بعض الأتباع من الناطقين بالفارسيّة، ولو كان لهم أدنى اطّلاعٍ على مباحث اللفظ والاشتراك، أو على استعمالات السنّة واللغة، لما قالوا مثل هذه الأقوال المضحكة، ولأدركوا معنى العبارة إدراكًا صحيحًا. إنّ الولاية في أصلها تعني القيام على الشيء والتولّي له، أي السّيادة أو الرعاية أو القرب الخاصّ.
وكلمتا «وليّ» و «مولى» تُستعملان في هذا المعنى على الوجهين:
في المعنى الفاعليّ: أي المالك أو السيّد أو صاحب الولاية.وفي المعنى المفعوليّ: أي العبد أو المملوك أو الخادم أو التابع.
فإذا قيل: «هو وليّ الله عزّ وجلّ»، فالمعنى أنّ المؤمن عبدٌ لله ومملوكٌ له.
وأمّا في المعنى الفاعليّ، فيُقال: «الله تعالى وليُّ المؤمنين ومولاهم»، أي سيّدهم ومتولّي أمرهم.
معنى «المولى»
إنّ لفظتي «المولى» و «الوليّ» تُستعملان في معنيين: الفاعلي والمفعولي. في المعنى الفاعليّ: تأتي بمعنى المالك، السيّد، أو الناصر، كما في قوله صلى الله عليه وآله: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ»،
وكما في قوله تعالى:
«إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (المائدة: ٥٥).
وفي المعنى المفعوليّ: تأتي بمعنى العبد، التابع، الخادم، كما في حديث اللوح الشريف: «حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ وَلَأَسُرَّنَّهُ فِي أَشْيَاعِهِ وَأَنْصَارِهِ وَأَوْلِيَائِهِ».
أي: وعدي الحقّ أنّي لأكرمنّ مقام جعفر (الإمام الصادق عليه السلام) ولأسرّنّه بأتباعه وأنصاره ومواليه.
وأمّا استعمال «المولى» في المعنى المفعوليّ (أي بمعنى العبد والخادم والتابع)، فهو كثير جدًّا في الروايات، حتى لا يحتاج إلى استقصاء، إذ من يبحث في الأحاديث التي وردت فيها ألفاظ مثل: «مواليه»، «موالِيكم»، «المولى»، «أنا مولاك»، يجد مئات النصوص التي استُعملت فيها الكلمة بهذا المعنى. ونذكر على سبيل التبرّك روايةً ورد فيها الألفاظ الثلاثة: «مواليه» و«مولاه» و«مولاك»، لتكون شاهدًا واضحًا على هذا الاستعمال. ورد عن امام صادق سلام الله عليه : خَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى مَكَّةَ سَنَةً مَاشِياً فَوَرِمَتْ قَدَمَاهُ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ «مَوَالِيهِ»: لَوْ رَكِبْتَ لَسَكَنَ عَنْكَ هَذَا الْوَرَمُ. فَقَالَ كَلَّا… فَقَالَ لَهُ «مَوْلَاهُ»: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي… فَقَالَ الْحَسَنُ عليه السلام «لِمَوْلَاهُ» …فَقَالَ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي… إِنَّمَا أَنَا «مَوْلَاكَ»…
الکافي، ج۱، ص۴۶۳.
النقطة الخامسة
الرجوع إلى طائفة الحديث وفهم معنى العبارات من خلال الأحاديث النظيرة والمشابهة.
1. إنّ عبارة «يلي أمره» قد وردت في الروايات بمعنى تولّي الأمور الظاهريّة والخَدَميّة، لا بمعنى الولاية أو الوصاية، واعتبارها بمعنى الوصاية هو فهمٌ جاهلٌ قطعًا.
2. وكلّ موضعٍ وردت فيه صيغة «المولى + الذي»، فإنّها تُستعمل في المعنى المفعوليّ، أي بمعنى العبد أو الخادم، لا بمعنى السيّد أو الوليّ.
والتأمّل في عبارة «يلي أمره» دقيقٌ جدًّا، إذ إنّ بعض الأتباع قد ترجموا العبارة بقولهم: «إنّ هذا الشخص يتولّى أمر الإمام عليه السلام»، وهذا الفهم الخاطئ يُفضي ـ بحسب ترجمتهم الجاهلة ـ إلى أنّ هذا الشخص أميرٌ على الإمام عليه السلام!
بينما في الروايات، حين يُراد التعبير عن الإمارة على الناس، يُستخدم أسلوبٌ آخر، كما ورد مثلاً في قولهم:
يلي أمر الناس» یا «یلی أمر الأمة». «وَ قَالَ مَنْ يَلِي أَمْرَ اَلنَّاسِ بَعْدِي» قصص الأنبیاء (للراوندي) ج ۱، ص ۲۱۲
«قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَنْ تَذْهَبَ اَلْأَيَّامُ وَ اَللَّيَالِي حَتَّى يَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ رَجُلٌ وَاسِعُ اَلْبُلْعُومِ رَحْبُ اَلصَّدْرِ يَأْكُلُ وَ لاَ يَشْبَعُ وَ هُوَ مُعَاوِيَةُ»
بحار الأنوار، ج۴۴، ص۲۳.
وعليه، فلا يمكن بحالٍ من الأحوال حملُ العبارة على معنى الإمارة أو الولاية، بل المقصود منها الأمور الظاهريّة المتعلّقة بالإمام عليه السلام وخدمته.
النتيجة
1. إنّ الناظم العقيلي نفسه لم يدّعِ في هذا الكتاب أنّ هذا «المولى» هو من أولاد الإمام عليه السلام، ولا أنّ هذه العبارة تدلّ على الإمامة أو الوصاية، وإنّما أراد فقط إثبات وجود ولدٍ للإمام عليه السلام، وهذا أمرٌ لا خلاف فيه. أمّا ما أضافه الأتباع من الفهم الفاسد فمردّه إلى جهلهم وسوء فهمهم للنصوص.
2. إنّ الاضطراب والاختلاف الواقعين في متن الحديث، حتّى في نفس كتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي رحمه الله، يُبطلان أصلَ دلالته على وجود ولدٍ أو ما يُسمّى بـ«المهديّين» بعد الإمام عليه السلام.
3. إنّ نصّ الحديث صريحٌ في نفي اطّلاع أيٍّ من أولاد الإمام عليه السلام على موضعه، والتخصيص الوارد في الرواية لا يشمل الأولاد، وبذلك تسقط دعوى البنُوّة التي ادّعاها أحمد البصري، إذ تُظهر الرواية بوضوحٍ بطلان قوله.
4. أمّا الحديث الوارد في كتاب الكافي فيُبيّن أنّ المقصود من «الموالي» هم الخدّام المخلصون الذين كانوا في خدمة الإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف منذ ابتداء الغيبة الكبرى، وليسوا شخصًا واحدًا، ولا يختصّ وجودهم بزمنٍ معيّن، كما أنّ الحديث لا يدلّ على إمارةٍ أو وصايةٍ بحالٍ من الأحوال.
5. وبصورةٍ واضحةٍ وصريحة، فإنّ كلمة «المولى» في هذا الحديث جاءت بمعناها المفعوليّ، أي الخادم والتابع، لا بمعنى الإمام أو الوصيّ، كما تؤكّد على ذلك مئات الروايات المشابهة التي استُعملت فيها اللفظة في هذا المعنى، والمقصود منها إنّما هو القيام بخدمة الإمام وأموره الظاهريّة، لا الإمارة ولا الولاية ولا الوصاية.