وقفة عند الحديث التاسع عشر من كتاب الأربعون لناظم العقيلي
دارالهداية| ناظم العقيلي البوق الأعظم لدعوى أحمد الحسن ألّف كتابًا أسماه بالأربعون في المهديين وأبناء القائم ليثبت فيه وجود الأبناء للإمام المهدي (عج الله تعالى فرجه) وقد زعم أنّه جمع في الكتاب المذكور أربعين حديثًا عن وجود أئمة اثني عشر بعد المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
دعوى ناظم العقيلي حول المهديين
١. الإمامة ليست محصورة في الاثني عشر. ٢. للمهديين الّذين يخلفون المهدي (عجل الله تعالى فرجه) مقام الإمامة والوصاية. ٣. المهديين هم عترة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) وأبناؤه.
الحديث التاسع عشر من كتاب الأربعين في المهديين
من الأحاديث الّتي حاول ناظم العقيلي منها استظهار ثالوث عقيدته الزائفة هو هذا الحديث:
عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَوْ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَيُّ بِقَاعِ الْأَرْضِ أَفْضَلُ بَعْدَ حَرَمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ حَرَمِ رَسُولِهِ (ص) فَقَالَ الْكُوفَةُ يَا أَبَا بَكْرٍ هِيَ الزَّكِيَّةُ الطَّاهِرَةُ فِيهَا قُبُورُ النَّبِيِّينَ الْمُرْسَلِينَ وَ قُبُورُ غَيْرِ الْمُرْسَلِينَ وَ الْأَوْصِيَاءِ الصَّادِقِينَ وَ فِيهَا مَسْجِدُ سُهَيْلٍ الَّذِي لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا وَ قَدْ صَلَّى فِيهِ وَ مِنْهَا يَظْهَرُ عَدْلُ اللَّهِ وَ فِيهَا يَكُونُ قَائِمُهُ وَ الْقُوَّامُ مِنْ بَعْدِهِ وَ هِيَ مَنَازِلُ النَّبِيِّينَ وَ الْأَوْصِيَاءِ وَ الصَّالِحِين.
النقطة الأولى
إنّ الحديث المذكور لا يتضمّن أيّ إشارة إلى المهديّين من أولاد الإمام المهديّ (عج) ولا إلى مقام الإمامة لهم، ولذلك فإنّ دعوى ناظم العقیلي بأنّ المهديّين هم أبناء الإمام المهديّ (عج) وأنّ لهم مقام الإمامة، استنادًا إلى هذا الحديث، هي دعوى باطلة ولا تستند إلى دليلٍ صحيح.
النقطة الثانية
إنّ لفظ «قُوّام» هو جمع «قائم»، ومعناه القائم أو الناظر أو الملتزم بالأمر، ولا يُفهم منه معنى الوصاية أو الإمامة، ولذلك فلو ادّعى أحدٌ أنّ المقصود بـ«القُوّام» هم المهديّون من ذرّيّة الإمام المهديّ (عج)، فإنّه مع ذلك لا يستطيع أن يُثبت من هذا الحديث مقام الوصاية أو الإمامة لهم.
النقطة الثالثة
فإن قيل: إنّ استعمال لقب «القُوّام» مختصّ بالأوصياء والأئمّة، ولا يُطلق على غيرهم، فبناءً عليه يكون الذين يأتون بعد الإمام المهديّ (عج) تحت عنوان «القُوّام» ذوي مقام الإمامة والوصاية.
نقول في الجواب:
1. على فرض التسليم بهذه الدعوى ـ أي أنّ عنوان «القُوّام» لا يُطلق إلا على الأوصياء والأئمّة ـ فإنّ المقصود بـ«القُوّام» هم أوصياء النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) الاثنا عشر الذين وردت في الروايات إشارات كثيرة إلى رجعتهم في آخر الزمان.
2. غير أنّ هذه الدعوى في أصلها بلا دليلٍ ولا يمكن قبولها؛ إذ إنّ الروايات قد استعملت عنوان «القُوّام» في غير الأئمّة والأوصياء أيضًا.
عنوان «القُوّام» لغير الأئمّة
عنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: قُمْتُ مِنْ عِنْدِ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فَاعْتَمَدْتُ عَلَى يَدِي فَبَكَيْتُ فَقَالَ مَا لَكَ فَقُلْتُ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُدْرِكَ هَذَا الْأَمْرَ وَ بِيَ قُوَّةٌ فَقَالَ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنَّ عَدُوَّكُمْ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَأَنْتُمْ آمِنُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّهُ لَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ أُعْطِيَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَجُعِلَتْ قُلُوبُكُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ لَوْ قُذِفَ بِهَا الْجِبَالَ لَقَلَعَتْهَا وَ كُنْتُمْ قُوَّامَ الْأَرْضِ وَ خُزَّانَهَا.
الکافي، ج۸، ص۲۹۴.
شروح العلماء
يقول العلامة المجلسي رحمه الله في شرح «وَكُنْتُمْ قُوَّامَ الْأَرْضِ»: أي القائمين بأمور الخلق والحكام عليهم في الأرض.
مرآة العقول، ج۲۶، ص۳
عنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَاتَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (ع) وَ لَيْسَ مِنْ قُوَّامِهِ أَحَدٌ إِلَّا وَ عِنْدَهُ الْمَالُ الْكَثِيرُ وَ كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ وَقْفِهِمْ وَ جَحْدِهِمْ مَوْتَهُ طَمَعاً فِي الْأَمْوَال…
الغيبة (للطوسي) ، ص۶۴
ذكر الشيخ الطوسي (رحمه الله) بعضَ الوكلاء والسفراء الذين حَظُوا بتأييد الأئمّة (عليهم السلام)، فقال:
«ومِنهُم المُعَلّى بن خُنَيس، وكانَ مِن قُوّامِ أبي عبدِالله (عليه السلام)…»
الغيبة، للشيخ الطوسي، ص ٣٤٧
ومن خلال هذا النقل يتّضح أنّ لفظ «القُوّام» لم يكن مختصًّا بالأئمّة والمعصومين (عليهم السلام)، بل كان يُطلق أيضًا على وُكلائهم وممثّليهم والعاملين بأمرهم.
النقطة الرابعة
استنادًا إلى ما تقدّم في النقطة السابقة، يمكن احتمال عدّة معانٍ لعبارة «والقُوّامُ من بعدِه»:
المعنى الأوّل: أنّ عنوان «القُوّام» قد ورد في بعض الروايات والأدعية للدلالة على الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام). فعلى سبيل المثال، رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: أَبِي عَنِ اِبْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ اِبْنِ رِئَابٍ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: فَنَحْنُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ… بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار علیهم السلام، ج۲۴، ص۱۱۸. أو في زیارة أئمة البقیع (عليهم السلام) میخوانیم: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ الْقُوَّامَ فِي الْبَرِيَّة… الکافي، ج۴، ص۵۵۹. أو في زيارة أخرى: فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ… وَ عَلَى أَخِيهِ وَ ابْنِ عَمِّهِ … وَ عَلَى فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ …وَ عَلَى سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ … وَ عَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ … عَلِيٍّ وَ مُحَمَّدٍ، وَ جَعْفَرٍ وَ مُوسَى، وَ عَلِيٍّ وَ مُحَمَّدٍ، وَ عَلِيٍّ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُجَّةِ الْقُوَّامِ بِالْقِسْط… المزار الکبیر، ص۵۱۰.
مرادُ «القُوّام» (الأئمّة أم المهديين)
بناءً على ما تقدّم من الروايات، يمكن القول إنّ المقصود بـ«القُوّام» بعد الإمام المهديّ (عج) هم الأئمّة والأوصياء الاثنا عشر للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، الذين يرجعون في آخر الزمان ليُواصلوا إقامة دولة العدل الإلهيّ.
وجديرٌ بالذكر أنّ أصل رجعة الأئمّة (عليهم السلام) أمرٌ لا خلاف فيه، وإنّما الكلام في أنّ المراد من «القُوّام» بعد الإمام المهديّ (عج) هل هم هؤلاء الأئمّة الراجعون، أم أشخاصٌ آخرون؟
المعنى الثاني: أنّ المراد بـ«القُوّام» بعد الإمام المهديّ (عج) هم الوكلاء والقادة والمديرون والعاملون في أجهزة الدولة الإلهيّة؛ إذ إنّ عنوان «القُوّام» قد أُطلق في الروايات والأدعية والأقوال على مثل هؤلاء الأشخاص، كما تبيّن في النقطة الثالثة.
المعنى الثالث: ويُحتمل أيضًا أن يكون المقصود من «القُوّام» هو الجمع بين المعنيين السابقين، أي الأئمّة الراجعين (عليهم السلام) من جهة، وممثّليهم وقادتهم ومديري الدولة الإلهيّة من جهةٍ أخرى.