وقفة عند الحديث الثامن عشر من كتاب الأربعون لناظم العقيلي
دارالهداية| ناظم العقيلي البوق الأعظم لدعوى أحمد الحسن ألّف كتابًا أسماه بالأربعون في المهديين وأبناء القائم ليثبت فيه وجود الأبناء للإمام المهدي (عج الله تعالى فرجه) وقد زعم أنّه جمع في الكتاب المذكور أربعين حديثًا عن وجود أئمة اثني عشر بعد المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
دعوى ناظم العقيلي حول المهديين
١. الإمامة ليست محصورة في الاثني عشر. ٢. للمهديين الّذين يخلفون المهدي (عجل الله تعالى فرجه) مقام الإمامة والوصاية. ٣. المهديين هم عترة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) وأبناؤه.
الحديث الثامن عشر من كتاب الأربعين في المهديين
من الأحاديث الّتي حاول ناظم العقيلي منها استظهار ثالوث عقيدته الزائفة هو هذا الحديث: عن النبي (ص) أنه ذكر المهدي (ع) و ما يجريه اللّه عزّوجلّ من الخيرات و الفتح على يديه. فقيل له: يا رسول اللّه كل هذا يجمعه اللّه له؟ قال: نعم و ما لم يكن منه في حياته و أيامه، هو كائن في أيام الائمة من بعده من ذريته.
شرح الأخبار، ج۲، ص۴۲.
النقطة الأولى حول «المهديين»
إنّ القاضي النعمان يُعدّ من مؤسّسي الفرقة الإسماعيليّة، ومن أبرز واضعي نظمها الفقهيّة والتشريعيّة، وقد نصّ رواةُ الفاطميّين على أنّه لم يكن يكتب شيئاً إلا بعد مراجعة أئمّته، أي علماء الدعوة الفاطميّة، فلا يصدر عن رأيٍ فرديّ. وقد أطلق عليه مؤلّفو الشيعة لقب «أبي حنيفة الشيعيّ»، لما عُرف به من سَعة علمٍ في الفقه والكلام. خدم القاضي النعمان تسع سنين المهدِيَّ بالله، أوّل خلفاء الدولة الفاطميّة، ثم تولّى القضاء في طرابلس أيّام القائم بأمر الله، الخليفة الثاني، ثم صار قاضي المنصوريّة في عهد المنصور بالله، الخليفة الثالث. وبلغ أعلى مقامٍ له في زمن المعزّ لدين الله، الخليفة الرابع، حيث نال منصب قاضي القضاة وداعي الدعاة. وقد ذكر العلّامة المجلسي أنّ القاضي النعمان في أواخر عمره تحوّل إلى مذهب الإماميّة الاثني عشريّة، غير أنّ كتبه أُلِّفت في أيّام إسماعيليّته، وتحت إشراف الأئمّة الفاطميّين أنفسهم. ولذلك، لا يصحّ الاحتجاج بكتبه لإثبات مسألةٍ عقديّةٍ على هذا القدر من الأهميّة، إذ إنّها صادرة في بيئةٍ إسماعيليّةٍ، لا إماميّةٍ. هذا فضلاً عن الإشكالات الدلاليّة التي أُثيرت في مضمون الحديث نفسه. ثم إنّ الإسماعيليّة عموماً يعتقدون بإمامة الخلفاء الفاطميّين، ومن المثير أنّ مراد القاضي النعمان بلفظ “المهدیّین” في كتابه شرح الأخبار، إنّما هم هؤلاء الخلفاء الفاطميّون أنفسهم، لا المهديّون بالمعنى المعروف في العقيدة الإماميّة.
النقطة الثانية
إنّ في نصّ هذا الحديث ومضمونه إشكالاتٍ كثيرة، وقد نبّه الباحثون مرارًا إلى واحدةٍ من أهمّها، وهي أنّه غير واضحٍ تمامًا أيُّ جزءٍ من النصّ هو من كلام النبيّ (أي من الحديث)، وأيّ جزءٍ هو من شرح القاضي النعمان وتعليقه، وذلك لأنّ القاضي النعمان مزج بين النصّ والشرح مزجًا تامًّا (وهو ما يُعرف بالشرح المَزْجي)، بحيث يصعب التمييز بين الرواية والتفسير.
وهذا الأمر يزداد خطورةً في الأحاديث التي تفرّد هو بروايتها، إذ إنّ هذا الامتزاج يجعل الاعتماد عليها مشكلًا. و مثال ذلك ما ورد في الحديث الثالث الذي بيّنّا فيه أنّ عبارة «يعني من الأئمّة من ذريّته» ليست من أصل الحديث، بل من توضيحات القاضي النعمان نفسه التي أدرجها بعد الرواية، غير أنّ بعض أتباع أحمد بصري نسبوها خطأً إلى نصّ الحديث، فظنّوا أنّها من كلام النبيّ نفسه.
وكذلك الحال في هذا الموضع أيضًا؛ فليس ثابتًا أنّ العبارة كلّها من الحديث، بل يُحتمل أن تكون جزءًا من شرح القاضي النعمان، أي أنّ قوله: «فَقِيلَ له: يا رسولَ الله، كلُّ هذا يجمعه الله له؟ قال: نعم»
هو من كلام النبيّ و أمّا قوله بعد ذلك: «وما لم يكن منه في حياته وأيّامه فهو كائنٌ في أيّام الأئمّة من بعده من ذريّته»، فقد تكون من كلام القاضي النعمان نفسه، أو على الأقلّ عبارة «من ذريّته» هي من إضافاته، تمامًا كما في الحديث الثالث الذي يُعدّ شاهدًا واضحًا على هذا المنهج في الكتاب. ومن الشواهد الأخرى على ذلك أنّه في موضعٍ آخر قبل سطرين فقط، نقل القاضي النعمان حديثًا عن النبيّ جاء فيه: «ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وآله، وقد ذُكر المهديّ عليه السلام، فقيل له: ممّن هو يا رسول الله؟ فقال: منّا أهل البيت، بنا يختم الله الدين كما فتحه بنا.» ثمّ عاد القاضي النعمان بعد ذلك، بحسب عادته في دعم دعوى خلافة الفاطميّين الإسماعيليّين، فأقحم تفسيرًا لا علاقة له بلفظ الحديث، إذ قال: «فنسب ذلك صلّى الله عليه وآله إلى نفسه لأنّه أوّل قائمٍ به، وكذلك يُنسب إلى المهديّ عليه السلام ما قام به، وما يقوم به من بعده من وطّد له الأمر من ولده.» فهو يُدخل بلا دليلٍ ذكرَ أولاد المهديّ، مع أنّ الرواية صريحةٌ في كونها تتحدّث عن خَتْم الدين بالإمام المهديّ عليه السلام، أي خَتْم الإمامة به، لا عن استمرارها في أولاده.
النقطة الثالثة
إنّ العبارة «وما لم يكن منه في حياته وأيّامه فهو كائن في أيّام الأئمّة من بعده» هي جزء من الحديث نفسه، أمّا عبارة «من ذريّته» فليست من أصل الحديث، وذلك لأنّ مسألة الرجعة لم تكن مقبولةً عند كثيرٍ من الفرق، بل هي من الاختصاصات العقائديّة للشيعة الإماميّة. ولأجل غياب التفسير العقديّ الصحيح عند بعض النُسّاخ أو الرواة، أُضيفت هذه الكلمة لاحقًا لتكون تأويلاً يبرّر وجود أئمّةٍ بعد الإمام المهديّ عليه السلام، فكانت زيادةً تفسيريّة لا نصّيّة، أُدرجت لتتلاءم مع تصوّراتهم عن استمرار الإمامة بعد القائم.
النقطة الرابعة
إنّ القاضي النعمان لم يروِ الحديث بتمامه، ولا يوجد في أيّ موضعٍ آخر نصٌّ كاملٌ له، بل هو نفسه صرّح بأنّه ينقل الأحاديث بالمعنى لا باللفظ، ولذلك يُحتمل احتمالًا قويًّا أنّ الضمير في قوله «من ذريّته» لا يعود إلى الإمام المهديّ عليه السلام، بل إلى أمير المؤمنين عليه السلام أو إلى الإمام الحسين عليه السلام، لأنّ ذكرهما قد ورد في الجمل السابقة من السياق.
و عليه، فالمعنى يكون: إنّ كلّ ما لم يتحقّق في زمن المهديّ عليه السلام، سيتحقّق في أيّام الأئمّة من بعده من ذرّيّة أمير المؤمنين أو من ذرّيّة الإمام الحسين عليه السلام. وهذا احتمال قويّ ومنسجم مع الروايات الأخرى، بل هو الأقرب إلى الحقيقة، لأنّه يوافق نظام الإمامة المعروف عند الشيعة.
وبناءً على ذلك، ما دام النصّ الكامل للحديث غير متوفّر، ولا يُعرف على وجه القطع إلى مَن يعود الضمير في «من ذريّته» — هل إلى المهديّ أم إلى غيره — فإنّ الاستدلال القائم على هذا الموضع استدلالٌ ناقصٌ وباطلٌ.
النقطة الخامسة
كما ذكرنا، فإنّ الخلفاء الإسماعيليّين كانوا يرون أنفسهم المهديّ الموعود، وكانوا يسعون إلى الحفاظ على سلطانهم وضمان استمراره، ولذلك بحثوا عن مخرجٍ يبرّر دوام هذا اللقب، فادّعوا استمرار الإمامة في وُلد المهديّ (عجل الله فرجه). وفي الحقيقة، كان مصداق هذا الادّعاء معروفًا، إذ قصدوا به الخلفاء الفاطميّين أنفسهم، فكان هذا سببًا من أسباب وضع الأحاديث من قِبَل الإسماعيليّة عبر التاريخ. ولذلك، نهى الأئمّةُ عليهم السلام شيعتَهم عن الاقتراب من هؤلاء، ولعنوا تلك الطوائف والفرق المنحرفة، وحذّروا من أخذ الحديث عنهم. وكذلك العلماء والمحدّثون العظام من الشيعة اتّبعوا هذا النهج، اقتداءً بمولاهم أهل البيت عليهم السلام، فامتنعوا عن نقل روايات تلك الفِرَق الضالّة كـ الزيديّة والواقفيّة والإسماعيليّة وغيرها.
ومن أراد الاطّلاع على مثال واضح لذلك، فليرجع إلى كتاب «الغيبة» للشيخ الطوسيّ رحمه الله، حيث يُبيّن فيه موقفه من روايات الإسماعيليّة والواقفيّة وغيرهم، إذ لم يكتفِ بردّها وبيان عدم حجّيتها وقبولها، بل نقد دلالتها أيضًا، وأوضح وجوه الخلل فيها.
و عليه، فإنّ أحمد بصريّ في ادّعاءاته الباطلة هذه لم يكن بدعًا من بين المدّعين، بل هو امتدادٌ لسلسلةٍ من المذاهب والفرق التي نسخت عن بعضها البعض، وتعاونت في الكذب على الله ورسوله وأوليائه، وما زال هذا التعاضد بين مدّعي الباطل قائمًا في كلّ عصرٍ وزمان.