وقفة عند الحديث الثالث عشر من كتاب الأربعون لناظم العقيلي
دار الهداية| ناظم العقيلي البوق الأعظم لدعوى أحمد الحسن ألّف كتابًا أسماه بالأربعون في المهديين وأبناء القائم ليثبت فيه وجود الأبناء للإمام المهدي (عج الله تعالى فرجه) وقد زعم أنّه جمع في الكتاب المذكور أربعين حديثًا عن وجود أئمة اثني عشر بعد المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
دعوى ناظم العقيلي حول المهديين
١. الإمامة ليست محصورة في الاثني عشر. ٢. للمهديين الّذين يخلفون المهدي (عجل الله تعالى فرجه) مقام الإمامة والوصاية. ٣. المهديين هم عترة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) وأبناؤه.
الحديث الثالث عشر من كتاب الأربعون حول المهديين
من الأحاديث الّتي حاول ناظم العقيلي منها استظهار ثالوث عقيدته الزائفة هو هذا الحديث: وَ قَدْ اخْتَرْنَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي قُرَّةَ فِي كِتَابِهِ-: فَقَالَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّالِحِينَ(ع) قَالَ: وَ كَرِّرْ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ قَائِماً وَ قَاعِداً وَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ الشَّهْرَ كُلَّهُ وَ كَيْفَ أَمْكَنَكَ وَ مَتَى حَضَرَكَ فِي دَهْرِكَ تَقُولُ بَعْدَ تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الْقَائِمِ بِأَمْرِكَ الْحُجَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَهْدِيِّ عَلَيْهِ وَ عَلَى آبَائِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَ السَّلَامِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلِيّاً وَ حَافِظاً وَ قَائِداً وَ نَاصِراً وَ دَلِيلًا وَ مُؤَيِّداً حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَ تُمَتِّعَهُ فِيهَا طُولًا وَ عَرْضاً و تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ.
إقبال الأعمال، ج ١، ص ١٩١.
النقطة الأولى
إنّ الإمام عليه السلام قد علّم هذا الدعاء لجميع الشيعة على مرّ العصور ولا يختص بالإمام الثاني عشر وإذا قال في دعاء: «وَ تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ اَلْأَئِمَّةِ اَلْوَارِثِينَ» فهو يقصد به الأئمة السابقين ولا صلة للإمام المهدي عجل الله فرجه بهذا الخطاب لأنّ هذا الدعاء لجميع الأئمة فلذلك تشمل الأئمة السابقين الّذين سيلدون أئمة لذلك ورد في أصل الدعاء:«اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ…» ويذكر كلّ قوم إمام زمانهم بدل فلان ابن فلان مثلًا في عصر الإمام علي ابن موسى الرضا عليه السلام كان شيعة ذلك العهد يقرؤون الدعاء بهذه الصيغة: «اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ عَلّیِ بنِ مُوسَی.» وهذا اصل مستعمل في قبيل هذه الأدعية الواردة عن الأئمة عليهم السلام خصوصًا في هذه الأدعية والزيارات المذكورة.
النقطة الثانية
هذا هو الدعاء المعروف بدعاء الفرج، وهو من الأذكار الدائمة عندنا، وراويه واحد، وهو «محمّد بن عيسى بن عبيد». غير أنّ العلماء ـ حين ينقلون هذا الدعاء عنه ـ لا يذكرون فيه العبارة التالية: «وَ تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ…». ومن أمثلة ذلك ما جاء في نقل «الشيخ الكليني» و«الشيخ الطوسي»: اَللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ فِي هَذِهِ اَلسَّاعَةِ وَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلِيّاً وَ حَافِظاً وَ نَاصِراً وَ دَلِيلاً وَ قَائِداً وَ عَوْناً وَ عَيْناً حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَ تُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً.
الکافي، ج:۴، ص:۱۶۲
اَللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ فِي هَذِهِ اَلسَّاعَةِ وَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلِيّاً وَ حَافِظاً وَ قَائِداً وَ نَاصِراً وَ دَلِيلاً وَ عَيْناً حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَ تُمَكِّنَهُ فِيهَا طَوِيلاً.
تهذيب الأحکام، ج:۳، ص:۱۰۲
روايت أخرى
«اَللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ» نقل میکند: بِرِوَايَةِ جَدِّي أَبِي جَعْفَرٍ اَلطُّوسِيِّ. قَالَ مَا هَذَا لَفْظُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بِإِسْنَادِهِ عَنِ اَلصَّالِحِينَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ قَالَ: تُكَرِّرُ فِي لَيْلَةِ ثَلاَثٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَذَا اَلدُّعَاءَ سَاجِداً وَ قَائِماً وَ قَاعِداً وَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ فِي اَلشَّهْرِ كُلِّهِ وَ كَيْفَ أَمْكَنَكَ وَ مَتَى حَضَرَكَ مِنْ دَهْرِكَ تَقُولُ بَعْدَ تَحْمِيدِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ اَلصَّلاَةِ عَلَى اَلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اَللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ فِي هَذِهِ اَلسَّاعَةِ وَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلِيّاً وَ حَافِظاً وَ قَائِداً وَ نَاصِراً وَ دَلِيلاً وَ عَيْناً حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَ تُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلاً.
فلاح السائل، ج:۱، ص:۴۶.
وعليه، فمِنَ البَداهة أن نأخذ بالأصل، وهو ما ورد في «الكافي» و«تهذيب الأحكام»، ولا نُقدِّم نقلاً ورد في كتابٍ متأخِّرٍ عنهما بعدة قرون، مع ما فيه من مشكلاتٍ كثيرة في المتن والسند، على الكتب الأربعة وسائر المصادر المعتمدة. مضافًا إلى ذلك، فإنّ انفراد كتاب «إقبال الأعمال» بذكر هذا الحديث مع تلك الزيادة، يمكن أن يُعَدّ قرينةً على أنّ هذه العبارة قد أُضيفت من قِبَل بعض الرواة أو النُّسّاخ أو غيرهم.
النقطة الثالثة
إنّ أتباع أحمد البَصري يتمسّكون بهذا الدعاء ـ كما ورد في «إقبال الأعمال» ـ ليستنتجوا منه وجود أولادٍ للإمام المهدي(عج) في الوقت الحاضر، غير أنّ الحقيقة على خلاف ذلك. فالمُستفاد من الدعاء أنّ الإمام المهدي(عجل الله فرجه) ستكون له ذرية في طول عمره الشريف، ولكن لا يُفهم من متن الدعاء هل هؤلاء الأولاد موجودون الآن أو أنهم سيُولدون في المستقبل.
النقطة الرابعة
ولو أصرّ أحدٌ على اختصاص هذا الدعاء بالإمام المهدي(عجل الله فرجه)، وتمسّك برواية «إقبال الأعمال»، وعدّ عبارة «وَ تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ» جزءًا من تتمة الدعاء، فإنّ أمامه طريقين لا ثالث لهما:
الطريق الأوّل
أن تُؤخَذ كلمة «الْأَئِمَّةِ» في عبارة «وَ تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ» بمعناها الاصطلاحي، أي الأئمّة المفترض طاعتهم الذين هم خلفاء الله في الأرض، الموصوفون بالعصمة والعلم الإلهي وسائر الخصائص. فبناءً على هذا، يكون المراد من الدعاء أنّنا نسأل الله تعالى أن يجعل ذرّية الإمام المهدي(عجل الله فرجه) من جملة هؤلاء الأئمّة، وأن يورّثهم الأرض. غير أنّ قبول هذا المعنى يُفضي إلى وقوع تعارض بين ما نقله «إقبال الأعمال» وبين الأحاديث المتواترة الكثيرة الدالّة على أنّ الأئمّة والخلفاء والأوصياء بعد النبي(صلى الله عليه وآله) هم اثنا عشر فقط. وعندئذٍ لا بدّ من معالجة هذا التعارض وفق القواعد المقرّرة في باب التعارض والترجيح.
رَوَى اَلْعَلاَّمَةُ قُدِّسَتْ نَفْسُهُ مَرْفُوعاً إِلَى زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: سَأَلْتُ اَلْبَاقِرَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَأْتِي عَنْكُمُ اَلْخَبَرَانِ أَوِ اَلْحَدِيثَانِ اَلْمُتَعَارِضَانِ فَبِأَيِّهِمَا آخُذُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا زُرَارَةُ خُذْ بِمَا اِشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَ دَعِ اَلشَّاذَّ اَلنَّادِرَ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي إِنَّهُمَا مَعاً مَشْهُورَانِ مَرْوِيَّانِ مَأْثُورَانِ عَنْكُمْ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ خُذْ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا عِنْدَكَ وَ أَوْثَقِهِمَا فِي نَفْسِكَ…
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار علیهم السلام، ج:۲، ص:۲۴۵.
الطريق الثاني
أن تُحمَل كلمة «الْأَئِمَّةِ» في عبارة «وَ تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ» على معناها اللغوي ـ أي القادة والرؤساء ـ، فيكون معنى الدعاء أنّنا نسأل الله أن يجعل ذرّية الإمام المهدي(عجل الله فرجه) من جملة القادة والحكّام والوارثين في الأرض. وبعبارة أخرى: إنّ لفظ «إمام» في اللغة بمعنى «المقدَّم الذي يُقتدى به». قال في لسان العرب، في مادة «أمم»: «الإمامُ: كلُّ من ائْتَمَّ به قومٌ كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالِّين… الإمامُ هو الذي يُقتدى به».
فبناءً على هذا المعنى اللغوي، يصحّ إطلاق لفظ «الإمام» على مَن يُقتدى به، كالإمام في الصلاة، والقادة العسكريين، والحكّام، والمديرين وغيرهم، لأنّ الناس يقتدون بهم.
وعلى هذا التفسير، لا يقع أي تعارض بين ما ورد في «إقبال الأعمال» وبين الروايات المتضافرة التي تحدّد عدد الأئمّة والأوصياء بعد النبي(صلى الله عليه وآله) باثني عشر، لأنّ المراد من «الإمام» في تلك الروايات هو المعنى الاصطلاحي الخاص.
نقطةٌ لافتة حول المهديّين
ومن اللافت أنّ أحمد إسماعيل الحَبوشي نفسه يرى أنّ كلمة «الْأَئِمَّةِ» محمولة على معناها اللغوي ـ أي القادة والرؤساء ـ، وعلى هذا الأساس فإنّ استدلال ناظم العقيلي بعبارة «وَ تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ» لإثبات مقام الإمامة بالمعنى الاصطلاحي لذرية الإمام المهدي(عجل الله فرجه) يبقى استدلالاً عقيماً. فلو سلَّمنا بأنّ عبارة «وَ تَجْعَلَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ» جزءٌ من دعاء سلامة الإمام المهدي(عجل الله فرجه)، وصادرة عن المعصوم، فلا ريب أنّ هذا المقطع يُشير إلى قوله تعالى:
﴿وَنُريدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثين﴾.
وقد قال أحمد إسماعيل البصري بعد ذكر الآية: «وهؤلاء الذين يريد الله أن يجعلهم أئمّة هم آل محمّد(ع)، الأئمّة والمهديّون(ع)، وكذلك الثلاثمائة والثلاثة عشر من أصحاب الإمام المهدي(ع)…»
(بيان الحق والسداد، ج 1، ص 13).
ومن جهة أخرى، لم يرد في الروايات أيّ نصّ يدلّ على ثبوت مقام الإمامة بالمعنى الاصطلاحي للثلاثمائة والثلاثة عشر من أنصار الإمام المهدي(ع)، كما أنّ أحمد إسماعيل نفسه لم يذكر لهم هذا المقام في كتبه. ومن هنا يمكننا أن نفهم أنّ أحمد إسماعيل قد أخذ لفظ «الْأَئِمَّةِ» في الآية بمعناه اللغوي ـ أي القادة ـ، ولذلك عدَّ الثلاثمائة والثلاثة عشر من أصحاب الإمام المهدي(ع) من مصاديقها.
نقطة مهمّة حول المهديّين
وعلى هذا الأساس، فإنّ كلمة «الْأَئِمَّةِ» الواردة في نقل كتاب «إقبال الأعمال» محمولة أيضاً على معناها اللغوي إذ إنّ الدعاء يشير إلى نفس الآية الكريمة ، وبمقتضى ذلك يكون معنى الدعاء أنّنا نسأل الله أن يجعل أولاد الإمام المهدي(عجل الله فرجه) من جملة القادة والحكّام والمديرين وغيرهم. وجدير بالذكر أنّه لو أصرّ أتباع أحمد البصري على حمل كلمة «الْأَئِمَّةِ» في الآية على معناها الاصطلاحي، للزمهم القول بمقام الإمامة لثلاثمائة وثلاثة عشر من أنصار الإمام المهدي(عجل الله فرجه) أيضاً، وعندئذٍ سيكون عدد الأئمّة في فرقتهم (٣٣٧) إماماً، أي: ١٢ إماماً + ١٢ مهديّاً + ٣١٣ من الأصحاب. غير أنّه ـ كما تقدّم ـ لم ترد في أيّ رواية نسبة مقام الإمامة بالمعنى الاصطلاحي إلى أنصار الإمام المهدي(عجل الله فرجه). ومن هنا، فإنّ دعوى أتباع أحمد البصري في هذا المجال إنّما هي مجرّد كلامٍ جزافٍ لا دليل عليه. وعليه، فالأجدر بمن عجز عن إثبات إمامة المهدويّين أن لا يفتح باب القول بإمامة آخرين.