وقفة عند الحديث الثامن من كتاب الأربعون حول المهديين لناظم العقيلي
دار الهداية| ناظم العقيلي البوق الأعظم لدعوى أحمد الحسن ألّف كتابًا أسماه بالأربعون في المهديين وأبناء القائم ليثبت فيه وجود الأبناء للإمام المهدي (عج الله تعالى فرجه) وقد زعم أنّه جمع في الكتاب المذكور أربعين حديثًا عن وجود أئمة اثني عشر بعد المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
دعوى ناظم العقيلي حول المهديين
١. الإمامة ليست محصورة في الاثني عشر. ٢. للمهديين الّذين يخلفون المهدي (عجل الله تعالى فرجه) مقام الإمامة والوصاية. ٣. المهديين هم عترة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) وأبناؤه.
الحديث الثامن من المهديين
الحديث الثامن الّذي استند عليه ناظم العقيلي زاعمًا تصليب عقيدته المزعومة هو: عن كعب الأحبار قال: هم اثنا عشر فإذا كان عند انقضائهم فيجعل مكان اثنى عشر اثنا عشر مثلهم و كذلك وعد الله هذه الأمة فقرأ «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» و كذلك فعل ببني إسرائيل.
تفسیر ابن أبي حاتم، ج: ٨، ص: ٢۶٢٨.
النقطة الأولى حول المهديين
إنّ القول المذكور ليس حديثًا عن المعصوم (عليه السلام) بل هو قول لكعب الأحبار ذائع الصيت في جعل الأخبار واسمه ابو اسحاق کعب بن الماتع الحمیري الیماني المشهور بكعب الأحبار وقد ندّد به الإمام الباقر (عليه السلام) ونعته بالكاذب في رواية:
عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: كُنْتُ قَاعِداً إِلَى جَنْبِ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ هُوَ مُحْتَبٍ مُسْتَقْبِلُ اَلْكَعْبَةِ فَقَالَ أَمَا إِنَّ اَلنَّظَرَ إِلَيْهَا عِبَادَةٌ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ يُقَالُ لَهُ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ لِأَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِنَّ كَعْبَ اَلْأَحْبَارِ كَانَ يَقُولُ إِنَّ اَلْكَعْبَةَ تَسْجُدُ لِبَيْتِ اَلْمَقْدِسِ فِي كُلِّ غَدَاةٍ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فَمَا تَقُولُ فِيمَا قَالَ كَعْبٌ فَقَالَ صَدَقَ اَلْقَوْلُ مَا قَالَ كَعْبٌ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ كَذَبْتَ وَ كَذَبَ كَعْبُ اَلْأَحْبَارِ مَعَكَ وَ غَضِبَ.
الكافي، ج٤، ص٢٣٩.
مضافًا إلى أنّ تفسير أبي حاتم هو من مصادر العامة في التفسير ولا تتم به الحجة على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وحسبنا هذه النقطة الأولى في تفنيد عقيدة ناظم العقيلي إلّا أنّه هناك إشكالات أكثر ينبغي عرضها.
إنّ العقيلي فشل فشلًا ذريعًا في إثبات ما كان ينويه في بداية كتاب 《الأربعــون حـديـثاً في المهديين وذرية القائم》 وحال العجز دونه وإثبات بنوة المهديين وإمامتهم ولم يجد في الأحاديث موطأ قدمًا له في ذلك إذ دعاه ذلك أن يلجأ إلى أقاويل كعب الأحبار ليستطيع باستعانة هذا تضليل العامة من الناس.
النقطة الثانية
لم يسند كعب الأحبار قوله هذا إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) بينما يصير ناظم على ذلك زورًا وعنونه بالحديث الثامن من ضمن الأربعين.
النقطة الثالثة
قد نقل الشيخ الصدوق قول كعب الأحبار في كتاب الخصال لإلزام العامة في إثبات وجود اثني عشر إمامًا ومع ذلك لم نجد في قوله ذكر للاثني عشر مهديًا وقد أشار إلى اثني عشر خلفاء إلهيون واستشهد ناظم بهذا الأمر أيضًا بينما يكون هذا سندًا لنقض دعواه ودعوى العامة ويثبت أنّه حتى في أقوال كعب الأحبار ثبت اثنا عشر خليفة لا أكثر ولا أقل: حَدَّثَنَا أَبُو اَلْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا اَلْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو اَلْبَكَّائِيِّ عَنْ كَعْبِ اَلْأَحْبَارِ : قَالَ فِي اَلْخُلَفَاءِ هُمُ اِثْنَا عَشَرَ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ اِنْقِضَائِهِمْ وَ أَتَى طَبَقَةٌ صَالِحَةٌ مَدَّ اَللَّهُ لَهُمْ فِي اَلْعُمُرِ كَذَلِكَ وَعَدَ اَللَّهُ هَذِهِ اَلْأُمَّةَ ثُمَّ قَرَأَ وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَالَ وَ كَذَلِكَ فَعَلَ اَللَّهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَ لَيْسَتْ بِعَزِيزٍ أَنْ تَجْمَعَ هَذِهِ اَلْأُمَّةَ يَوْماً أَوْ نِصْفَ يَوْمٍ وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
توضيح للرواية
إنّ عبارة «عند انقضائهم» هو زمن المهدي (عجل الله تعالى فرجه) الّذي يكون في ختام الأئمة لا أنّ المراد يكون بعد المهدي ولو كان المراد بعده لاستلزم أن يقول «بعد انقضائهم». مضافًا إلى أنّ هذه الآية هي مرتبطة بالإمام المهدي بحسب الروايات التفسيريّة لذلك كانت عبارة «عند انقضائهم» بالمعنى المذكور أعلاه وكذلك المراد من الطبقة الصالحة هم ٣١٣ من أصحاب الإمام إذ فسرت الرواية هذه الآية بالقائم وأصحابه:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ اِبْنُ عُقْدَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ اَلْجُعْفِيُّ أَبُو اَلْحَسَنِ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ وَ وُهَيْبٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً قَالَ نَزَلَتْ فِي اَلْقَائِمِ وَ أَصْحَابِهِ.
الغيبة، النعماني، ج١، ص٢٤٠.
النقطة الرابعة
ليس هذا التفسير المنسوب إلى «كعب الأحبار» صحيحًا، بل هو تفسير بالرأي والشخصيّة، ومخالف تمامًا للروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام. ونكرّر القول: لا حاجة أصلًا إلى التعرّض لهذا التفسير ولا إلى إبطالِه، إذ هو ليس من مدرسة أهل البيت، فلا حجّيّة فيه ولا قيمة، ثمّ من الذي خوّل كعب الأحبار ـ وهو يهودي الأصل ـ أن يفسّر كتاب الله؟! فبأيّ وجهٍ يأخذ الأتباع تفسير القرآن من كعب الأحبار؟ ومع ذلك، فإنّا نُثبت فوق ما تقدّم أنّ هذا التفسير باطل أيضًا؛ لأنّ الروايات الصحيحة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام قد صرّحت بأنّ المراد من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ﴾ إنّما هم الأئمّة الاثنا عشر عليهم السلام، وأمّا قوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فالمقصود به أنبياء الله وأوصياؤهم من الأمم السابقة. غير أنّ تفسير كعب الأحبار، ومن بعده ما تبنّاه ناظم العقيلي، على الضدّ من هذه الروايات الصريحة، إذ إنّهما يذهبان إلى أنّ بعد كلّ اثني عشر يأتون اثنا عشر آخرون؛ فكعب الأحبار يقول: يُستخلف بدل أولئك الاثني عشر، اثنا عشر مثلهم. وأمّا ناظم العقيلي فقد فسّر كلام كعب الأحبار بأنّ المراد هم “المهديّون”، فاعتبر أنّ قوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ إشارة إلى اثني عشر مهديًّا، وأمّا قوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتُخْلِفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فإلى الأئمّة الاثني عشر. وهذا مخالف لصريح الروايات والواقع معًا، إذ إنّ الروايات اقتصرت على حصر الاستخلاف في وجود الأئمّة عليهم السلام، وبيّنت أنّ “الذين من قبلهم” هم الأنبياء السابقون وأوصياؤهم، ولم يرد فيها أيّ ذكر لخلافة أحدٍ غير الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام. وإليك بعض النماذج من هذه الروايات:
الرواية المبحوث عنها
وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ… لَقَدْ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ لِوُلاَةِ اَلْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ خَاصَّةً: «وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » إِلَى قَوْلِهِ «فَأُولئِكَ هُمُ اَلْفاسِقُونَ » يَقُولُ أَسْتَخْلِفُكُمْ لِعِلْمِي وَ دِينِي وَ عِبَادَتِي بَعْدَ نَبِيِّكُمْ كَمَا اِسْتَخْلَفَ وُصَاةَ آدَمَ مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى يَبْعَثَ اَلنَّبِيَّ اَلَّذِي يَلِيهِ: «يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً» يَقُولُ يَعْبُدُونَنِي بِإِيمَانٍ لاَ نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ «فَأُولئِكَ هُمُ اَلْفاسِقُونَ» فَقَدْ مَكَّنَ وُلاَةَ اَلْأَمْرِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ بِالْعِلْمِ وَ نَحْنُ هُمْ فَاسْأَلُونَا فَإِنْ صَدَقْنَاكُمْ فَأَقِرُّوا وَ مَا أَنْتُمْ بِفَاعِلِينَ.
الكافي، ج١، ص٢٥٠.
رواية أخرى
اَلْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ اَلْوَشَّاءِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ جَلَّ جَلاَلُهُ: «وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» قَالَ هُمُ اَلْأَئِمَّةُ.
وفي نقل الاسترابادي عن الكليني كانت العبارة المذكورة كما يلي: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ رَحِمَهُ اَللَّهِ رَوَى اَلْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ اَلْوَشَّاءِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَالَ نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ اَلْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ.
تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، ج: ۱، ص۳۶۵.
سائر الروايات
تَفْسِيرُ اَلنُّعْمَانِيِّ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ:… فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ إِلَى قَوْلِهِ:
لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا رَجَعُوا إِلَى اَلدُّنْيَا.
بحار الأنوار، ج٥٣، ص١١٨.
قال الشيخ حر العاملي بعد ذكر هذه الآية: قد وَرَدَت أحاديثُ كثيرةٌ بِتفسيرِها فى الرَّجعةِ، عَلى أنَّها نصٌّ فى ذلكَ . . . وقد تَقَدَّمَ نَقلُ الطبرسي اجماعَ العترةِ الطاهرةِ عَلى تفسيرِ هذهِ الآيةِ بالرَّجعةِ.
الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، ص۱۰۷.
وبالتأمّل الدقيق في معنى الآية الكريمة يتّضح جليًّا أنّ هذا الوعد الإلهي إنّما يختصّ بالأئمّة عليهم السلام في زمن الرجعة؛ إذ إنّ الاستخلاف والتمكين في الأرض، مع رسوخ التشيّع وتوحيد الله تعالى في أرجاء الكون، وذلك من غير خوفٍ ولا رهبة لا يتحقّق إلّا في عصر ظهور الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه)، ثمّ في أيّام رجعة الأئمّة عليهم السلام.